
عُرض الفيلم الوثائقي ” المباراة “ الأربعاء الماضي، في مهرجان كان السينمائي لهذا العام، وهو يعيد سرد المباراة الأسطورية بين الأرجنتين وإنجلترا في كأس العالم 1986.
تم تقديم الوثائقي الطويل الذي يستند إلى كتاب “El Partido” لأندريس بورغو، كفيلم افتتاح قسم ” Cannes Première ” في الدورة الـ 79 من المهرجان.
يعيد الفيلم بناء مباراة ربع نهائي كأس العالم 1986 في ملعب أزتيكا، ليس فقط كحدث رياضي، بل كسرد رمزي لقرون من التوترات والهوية والروابط الثقافية بين البلدين.
وباستخدام لقطات أرشيفية نادرة، يعيد الوثائقي النظر بعد أربعين عامًا في أكثر لحظات مارادونا الأيقونية : الهدف المثير للجدل المعروف بـ ” يد الله “ و“هدف القرن”.
الفيلم الذي يرويه أساطير كرة القدم غاري لينكر و خورخي فالدانو، يوسع الحدث إلى سرد يمتد لأكثر من مئتي عام من التاريخ المشترك بين الأرجنتين وإنجلترا.
ويأخذ لينكر وفالدانو المشاهد في رحلة تمتد من النزاعات الجيوسياسية، بما في ذلك حرب الفوكلاند، وصولًا إلى اللحظات الحاسمة في تلك المباراة التي لا تُنسى.
ويقدم الوثائقي رحلة تاريخية تعيد صياغة ما حدث على أرض الملعب بين الأرجنتين وإنجلترا (2-1). بـ الأبيض والأسود، يُصوَّر لقطات أرشيفية لم تُعرض من قبل.
تضم مباراة ربع النهائي الملحمية أهم لحظتين أيقونيتين في مسيرة دييغو مارادونا. وتشكل الخيط الناظم للفيلم الوثائقي “المباراة” من إخراج جوان كابرال وسانتياغو فرانكو.
مع شهادات من لاعبين من كلا الفريقين، يجمع بين المقابلات، والمواد الأرشيفية، والأسلوب السينمائي الذي يمزج بين العمق التاريخي والتأثير العاطفي.
كما يُغنى هذا النسيج بموسيقى فرقة كوين، ويستكشف أحدث فصول الفيلم زيارة الفرقة للأرجنتين في أوائل الثمانينيات، كلحظة نادرة من اللقاء الثقافي وسط توترات سياسية شديدة.
يعكس الفيلم “جمال” اللعبة و”سخافة” الحرب، كاشفًا عن كرة القدم كـ قوة للاتصال والوحدة بين الناس. لمدة 91 دقيقة، يقدّم الفيلم للمشاهدين تذكيرًا رمزيًا بأن للخلود مدة زمنية محددة، مع دقيقة إضافية من الوقت المُحتسب.
في هذا الزمن، صنع المنتخب المغربي، في مشاركته الثانية في كأس العالم بعد عام 1970، التاريخ كأول منتخب أفريقي يتأهل من دور المجموعات.
بل، وتصدر “أسود الأطلس” مجموعتهم متفوقين على إنجلترا التي أقصيت من الدور ربع النهائي بهزيمة تاريخية أمام الأرجنتين.
لقد كان فوزًا ساحقًا، يقول كابرال، الذي كان يبلغ من العمر ثماني سنوات آنذاك : “أتذكر أنني كنت عائدًا من المدرسة، وكانت جدتي تنتظرني أمام التلفاز. كان من غير المعتاد أن تشاهد مباراة كرة قدم . سألتها عن السبب، فأجابتني: ” الأمر لا يقتصر على كرة القدم فقط يا خوان”.
- الولد الذهبي وهدف “يد الله”

كان المنتخب الأرجنتيني قد تألق طوال البطولة بفضل لاعب شاب يُدعى دييغو أرماندو مارادونا. في الـ 25 خامسة من عمره، كان المهاجم يُشعل الملاعب.
بدأت قصة اللاعب الملقب بـ “إلـ بيبي دي أورو” (الولد الذهبي) فعليًا في 22 يونيو 1986 أمام 115 ألف متفرج على ملعب أزتيكا في المكسيك.
في مباراة ربع النهائي ضد إنجلترا، بعد أربع سنوات فقط من حرب الفوكلاند بين البلدين، سجل لاعب نابولي في أقل من أربع دقائق هدفين أصبحا أسطوريين .
الأول، الذي احتسبه الحكم خطأً، كان هدف “يد الله”، والثاني جاء في نهاية هجمة رائعة من خط الوسط، في الفوز التاريخي للأرجنتين 2-1.
دخل هذان الهدفان التاريخ، بينما أصبح الهدف الأول جزءًا من الثقافة الشعبية تحت اسم “يد الله” ، مخلّدًا عبقرية مارادونا في عالم كرة القدم.
في المباراة النهائية، لم يُسجل مارادونا أي هدف، لكنه ساهم في فوز فريقه بكأس العالم للمرة الثانية بعد فوزهم عام 1978.
وعندما تعادل منتخب ألمانيا الغربية في وقت متأخر من المباراة، مرر الكرة الحاسمة التي سجل منها بوروتشاغا هدف الأرجنتين الثالث (3-2).
وكما كان متوقعاً، تُوّج “الفتى الذهبي” بجائزة أفضل لاعب في البطولة.
- الزمن يصلح كل شيء
تُروى المباراة من خلال شهادات لاعبين سابقين من الفريقين، وهي ليست مجرد مباراة عادية، بسبب السياق الجيوسياسي المحيط باللقاء.
منذ عام 1982 وحرب الفوكلاند، التي تواجهت فيها إنجلترا والأرجنتين عسكريًا على أرخبيل الفوكلاند (الذي احتلته بريطانيا عام 1833)، تربط البلدين كراهية متأصلة.
زادت هذه الضغينة حدة بعد المباراة، التي اعتبرتها إنجلترا “سرقة”.
استمر التوتر بين الفريقين حتى مونديال فرنسا 1998، حيث شهد دور الـ16 طرد ديفيد بيكهام ليصبح كبش فداء بعد خسارة إنجلترا بركلات الترجيح.
قال المخرج تييري فرمو قبل العرض الرسمي للوثائقي: “هذا الفيلم فيلم سلام كبير، وندرك أن الزمن يصلح كل شيء”.
- العودة إلى 1986
سجل مارادونا الهدف بـ “اليد”، وكان من المفترض ألا يُحتسب، لكنه أصبح رمزًا لإنسانية كرة القدم: لعبة يديرها البشر بكل عيوبهم.
وفي زمن حكم الفيديو الذي يصحح الأخطاء الواضحة، يظل هذا الهدف جزءًا من أسطورة مارادونا.
بفضل هذه الحيلة التي شاهدها العالم كله، كتب مارادونا جزءًا من تاريخه الخالد، باستثناء حكم المباراة، التونسي علي بن ناصر.
وصف مدرب إنجلترا، بوبي روبسون ذلك، بأنه “قرار خاطئ في مباراة مهمة”، دون أن يوجه اللوم إلى الحكم التونسي مباشرة.
لاحقًا ، تحدث روبسون بصراحة أكبر عن الهدف بأنه ” تدخل إلهي”.
“لكن حتى مع لمسة اليد، ضد الإنجليز، تُحتسب”، هكذا قال خورخي فالدانو مبتسمًا. وأكد أن مارادونا أدرج هذه الإشارة غير القانونية ضمن حركاته الاستعراضية خلال التدريبات.
بعد أكثر من أربعة عقود، هدأت النفوس، وبقي الهدف علامة بارزة على ذكاء و دهاء النجم الأرجنتيني مارادونا.
- لا يمكن إلا أن تحب مارادونا الماكر

” لكن لم يكن بوسع أيٍّ منا أن يتخيل ما سيحدث بعد ذلك”، تنهد غاري لينيكر، متخيلاً نفسه بعد ثلاث دقائق وسبع ثوانٍ من الهدف الافتتاحي.
تلك المراوغة المذهلة لمسافة 60 متراً، حيث راوغ اللاعب الذي تحول من مُخادع إلى عبقري، 5 لاعبين إنجليز في 10 ثوانٍ بدت وكأنها دهر.
كان من الممكن تسجيل حقوق ملكية ذلك الهدف بالفعل عام 1980 خلال مباراة ودية لا تُنسى بين المنتخبين الوطنيين على ملعب ويمبلي (3-1).
أبرز ما يميز هذا الفيلم الوثائقي الآن هو الغائب الرئيسي: اللاعب الأسطوري، دييغو مارادونا.
قال تييري فرمو إن المشاركين في تلك المباراة تقدم بهم العمر، لكن ذكرياتهم حية وواضحة : لا يمكن إلا أن تحب مارادونا الماكر. ولا أحد يحمل ضغينة تجاهه، حتى الإنجليز.
وقد نجح الوثائقي في وضع المباراة في سياقها التاريخي مع إبراز حكايات الفريدة. بما في ذلك احتفاظ المدافع الإنجليزي ستيف هودج بقميص مارادونا- رقم 10.
بعد أن ظل في ملكيته لمدة 16 عامًا، باع ستيف هودج القميص في مزاد علني في ماي 2022 مقابل أكثر من 7 ملايين دولار.
وقالت الصحافة الأرجنتينية مازحة بعد تلك المباراة الأيقونية ” بجزء من رأس مارادونا وجزء من يد الله”، في إشارة إلى الهدفين الخالدين لـ مارادونا.
في ذلك الوقت، لم يتخيل أحد أن تُعرض المباراة رسميًا في مهرجان كان السينمائي ( 12 – 26 ماي)، ولحسن الحظ، تحقق ذلك لجميع عشاق كرة القدم.





