يزخر إقليم السمارة بتراث غني ومتنوع، يتمثل في العديد من الشواهد المادية التي خلفتها المجموعات البشرية المتعاقبة على المنطقة منذ بداية استقرارها في هذه الربوع، وتركت إرثا غنيا عن هذه الحضارات.
ويعتبر إقليم السمارة من بين أهم الأقاليم بالمملكة، التي تتوفر على العديد من المعالم التاريخية والمواقع الأثرية وخاصة فن النقوش الصخرية والرسوم الصباغية. وتعد هذه المواقع سجلات مرئية على حياة ما قبل التاريخ للمنطقة ومتاحف في الهواء الطلق تعرض مئات النقوش التي خلفتها المجموعات البشرية المتعاقبة على المنطقة منذ العصور الحجرية إلى يومنا هذا.
سجل تاريخي غني
وتنتشر مئات اللوحات الصخرية على طول الأودية والمنحدرات بالإقليم، ومن أهمها موقع “العصلي بوكرش” الذي يعتبر من المواقع الشهيرة التي تضم مجموعات فريدة من النقوش المتقنة، ووادي “تيغرت والقصابي” وهي مناطق غنية بالواجهات الصخرية المنقوشة التي تروي تفاصيل الحياة اليومية للمجموعات الرعوية الأولى إلى جانب “محيط الساقية الحمراء” وهو حوض مائي قديم جذب الاستقرار البشري الكثيف عبر العصور.
وتعكس هذه النقوش، الممتدة على صخور صلبة قاومت عوامل التعرية، بيئة قديمة مختلفة تماما عن طبيعة الصحراء الحالية، وتتنوع موضوعاتها بين الحياة الحيوانية (الحيوانات البرية المفترسة والماشية) من خلال رسومات لحيوانات برية ضخمة مثل الفيلة والزرافات والظباء والنعام إلى جانب الأبقار بأسلوب “تازينا” المصقول.
وتثبت هذه النقوش أن المنطقة كانت عبارة عن سفوح خضراء وسافانا رطبة، والأنشطة البشرية، من خلال مشاهد الصيد والمواكب، والطقوس الجماعية التي توضح التنظيم الاجتماعي للقبائل البدوية القديمة، والرموز الفلكية والكونية عبر نقوش تجسد رموزا شمسية وأجراما سماوية تعكس اهتمام الساكنة القديمة برصد السماء والفلك.
وتمثل صناعة الأدوات الحجرية الجزء الأقدم من هذه المخلفات إذ تؤرخ بعض منها لفترة العصر الحجري القديم الأسفل، ويستمر هذا الإرث كرونولوجيا إلى العصر الحجري الحديث مرورا بالعصر الحجري الاوسط.
أقدم أشكال الذاكرة الجماعية
وينقسم الفن الصخري إلى نوعين رئيسيين يشملان الرسوم الصباغية التي تعتمد الألوان والطلاء والنقوش الصخرية التي تعتمد الحفر أو النحت على سطح الحجر.
وينظر إلى هذا الفن كأحد أقدم أشكال الذاكرة الجماعية، التي سبقت اختراع الكتابة، ووفرت للباحثين نافذة لفهم تفاصيل الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية والثقافية للإنسان القديم.
وتشكل المواقع الأثرية والطبيعية والمعالم التاريخية منارة لمسار ثقافي سياحي واعد بجهة العيون الساقية الحمراء، التي تعتبر من أبرز الجهات الغنية بالتراث الأثري، باحتوائها على حوض الساقية الحمراء الزاخر بالعديد من مواقع النقوش الصخرية الهامة في إبيغرافيا شمال إفريقيا.
وتؤثث هذه المشاريع الأثرية للنقوش والرسوم الصخرية بهذه الربوع، التي يعتقد أنها تعود إلى ما بين ثمانية آلاف وأربعة آلاف سنة قبل الميلاد، والتي تمزج بين البحث الأثري وتوثيق تراث حوض الساقية الحمراء، لرسم معالم مسار ثقافي سياحي واعد بهذه الجهة.
الجرد والتوثيق من أجل الحماية
وأتاحت عدة حملات للجرد والتوثيق خلال السنوات الأخيرة اكتشاف وإحصاء مواقع أثرية جديدة، ومازالت القائمة قابلة للتوسع، لا سيما و أن المنطقة لم تعرف عمليات الجرد والمسح الشامل على غرار مناطق أخرى من المملكة.
وفي هذا السياق، أبرز مفتش المعالم والمواقع التاريخية بالمديرية الجهوية للثقافة بجهة العيون الساقية الحمراء، عبد الإلاه أوغنان، أن إقليم السمارة يعتبر من بين أهم الاقاليم بالمملكة، التي تتوفر على العديد من المعالم التاريخية والمواقع الأثرية وخاصة فن النقوش الصخرية والرسوم الصباغية.
وأضاف في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أنه في إطار التعريف والتعرف على هذه المواقع تم جرد و إحصاء العديد منها لحمايتها قانونيا، حيث تم تقييد 22 موقعا للنقوش الصخرية والرسوم الصباغية و المعلمة التاريخية “دار حوزة” ضمن لائحة التراث الوطني.
وذكر أوغنان أنه تم أيضا إعداد ملفات تقنية تهم ستة مواقع جديدة تمهيدا لتقييدها، مبرزا أنه جرى كذلك تنفيذ عدد من إجراءات التثمين، من بينها إحداث أربع محافظات للمواقع الأثرية، وترميم “دار حوزة”، فضلا عن تنظيم أنشطة ثقافية وزيارات بيداغوجية لفائدة التلاميذ والطلبة والباحثين، للتعريف بهذا التراث وصيانته مما سيساهم في التنمية المستدامة بالإقليم.
أكثر من 175 موقعا للنقوش الصخرية و 25 موقعا للرسوم الصباغية
ومن جهته، أبرز ممثل المركز الوطني للتراث الصخري والمحافظ بالمديرية الإقليمية للثقافة بالسمارة، بيبا محمد مولود، أن هذا التراث يعد جسرا حيا يربط بين الماضي والحاضر، ويجسد في الوقت ذاته الخصوصية والهوية الثقافية للمنطقة.
وأضاف بايبا، وهو أيضا رئيس جمعية “ميران” عضو الجمعية المغربية للفن الصخري للتراث، أن إقليم السمارة يزخر بتراث غني ومتنوع، يتمثل في العديد من الشواهد المادية التي خلفتها المجموعات البشرية المتعاقبة على المنطقة منذ بداية استقرارها في هذه الربوع.
وبالنسبة للنقوش الصخرية، سجل بايبا أن إقليم السمارة يتوفر على أكثر من 175 موقعا للنقوش الصخرية، و 25 موقعا للرسوم الصباغية.
وذكر أن النقوش الصخرية القديمة تكشف عن تحولات عميقة في أنماط عيش المجتمعات بالمنطقة، من الصيد والقنص إلى الرعي والترحال، تعكس بذلك مراحل بشرية متعاقبة، عبر الإنسان من خلالها عن علاقته بالأرض وبيئته، مشيرا إلى أن صناعة الادوات الحجرية تمثل الجزء الاقدم من هذه المخلفات.
أنواع الفن الصخري
وتبدو النقوش في أشكال هندسية مبسطة تتكون فيها أجزاء الرسم من زوايا على شكل حرف ” V ” وتغيب فيها بعض التفاصيل، لكنها تحافظ على الملامح العامة للعناصر المرسومة وتعكس في نواح تعبيرية أنماط العيش في مراحل وظروف بيئية مختلفة.
وتعتبر هذه النقوش تعبيرا فكريا قديما، يقدم معلومات ثمينة مهمة عن الأنتروبولوجيا والتاريخ والفن والتفاعلات البيئية القديمة و الاقتصاد والتكنولوجيا والحياة الاجتماعية والروحية، ولا ينظر لها كأنها رسوم صامتة، إذ يدرك المتخصصون في علم الإبيغرافيا أن لكل نقيشة معنى ومقصدا جسدت من أجله لتبقى وثائق ناطقة عن ذلك الماضي السحيق.
ويمكن تقسيم الفن الصخري إلى نوعين، بالإضافة إلى المقابر الجنائزية أو مدافن ما قبل الإسلام، فالأول يسمى المنقوش، ويضم أسلوبين: النقش، والصقل، ويوجد العديد من المواقع التي تحتوي على هذا النوع، أما الثاني فيتمثل في فن الرسومات الصباغية، حيث يتميز بالرسم على الجدران والصخور وهو نادر لأنه معرض للتخريب والطمس والزوال أكثر من الفن الصخري نظرا لكون عوامل التعرية وعمليات التشويه أصبحت تنال منه.
و يحتوي هذا النوع على مواد عضوية في مكونات الصباغات المستعملة فيه والتي بإمكانها تحديد الحقبة التاريخية لهذه الرسومات بشكل دقيق في المختبرات، ومن أبرز مواقع هذه الرسومات بالجهة يوجد موقع الفارسية.
ويضاف إلى هذا الرصيد الأثري عدد من المعالم الجنائزية السابقة للعصر الإسلامي، ولا سيما المدافن الركامية (التلال الجنائزية)، التي تشكل وجها آخر من أوجه التراث الأثري بالإقليم، وتشهد على الممارسات الجنائزية التي كانت سائدة لدى ساكنة الصحراء المغربية في العصور القديمة.
المصدر: ومع بتصرف





