نفى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وجود أي أدلة قاطعة تثبت أن المغرب خطط أو دبّر موجة تدفق المهاجرين إلى مدينة سبتة المحتلة خلال يوليوز الماضي، في موقف رسمي إسباني يضع حداً للاستنتاجات التي ربطت المغرب مباشرة بالوقائع التي شهدتها المدينة.
وقال سانشيز، الخميس، أمام البرلمان الإسباني، إن حكومته لم تتلق من أي جهاز أمني أو هيئة دولية “أدلة قاطعة على أن المغرب خطط الحادثة أو رتبها”، مؤكداً أن وجود مثل هذه الأدلة كان سيقود الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة.
وأضاف رئيس الحكومة الإسبانية: “لو كانت هذه الأدلة القاطعة موجودة، لتصرفنا وفقاً لذلك”، مشدداً على أن حكومته لا تخشى مواجهة القوى الأجنبية الأخرى.
ويأتي هذا التصريح بعد تداول تقرير للشرطة الإسبانية حول ظروف تعامل السلطات المغربية مع موجة الهجرة التي شهدتها سبتة، وهو التقرير الذي أشار إلى ما وصفه بإخفاقات في الاستجابة الأمنية المغربية. غير أن المعطيات التي أوردها التقرير، بحسب ما نُشر، لا ترقى إلى إثبات أن المغرب خطط أو دبّر عملية تدفق المهاجرين، وهو ما أكدته صراحةً تصريحات سانشيز أمام البرلمان.
المغرب يجدد مطالبته بسبتة ومليلية
وفي مقابل الموقف الإسباني الرافض لأي تغيير في وضع المدينتين، أعاد مسؤولون مغاربة التأكيد على الموقف الرسمي للمملكة بشأن سبتة ومليلية، باعتبارهما مدينتين مغربيتين تقعان تحت السيطرة الإسبانية.
وكان وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي قد أكد، خلال غشت الماضي، أن للمغرب حقوقاً «تاريخية» و«جغرافية» في سبتة ومليلية، داعياً إلى التوصل إلى “حل نهائي” يتيح للمدينتين العودة إلى “حضن الوطن الأم”.
ورد سانشيز على هذه التصريحات بالتأكيد أمام البرلمان أن سبتة ومليلية ستبقيان إسبانيتين «إلى الأبد»، كما كشف أن الحكومة الإسبانية دعت الملك فيليبي السادس إلى زيارة المدينتين خلال الأسابيع المقبلة.
وتحمل هذه الزيارة المرتقبة حساسية سياسية خاصة، بالنظر إلى أن آخر زيارة لملك إسباني إلى سبتة ومليلية، والتي قام بها الملك خوان كارلوس الأول عام 2007، تسببت في أزمة دبلوماسية مع المغرب.
أزمة الهجرة وخلفيتها السياسية
وشهدت سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز تدفقاً استثنائياً للمهاجرين، إذ تحدثت التقارير عن عبور أكثر من 70 ألف شخص من المغرب باتجاه المدينة، في موجة أوقعت عشرات الضحايا، معظمهم بسبب الغرق أثناء محاولات الوصول إلى الضفة الأخرى.
وأثارت الأزمة توتراً سياسياً واسعاً داخل إسبانيا، حيث واجهت حكومة سانشيز انتقادات من المعارضة بشأن طريقة تعاملها مع الوضع، في حين خرجت مظاهرات في سبتة ومدن إسبانية أخرى احتجاجاً على إدارة الأزمة.
وكان تقرير للشرطة الإسبانية، استند إلى صور للأقمار الاصطناعية ومقاطع فيديو متاحة للعموم وشهادات مهاجرين، قد تحدث عن انخفاض أعداد عناصر الأمن حول المعبر الحدودي مقارنة بالمعتاد، وعن عدم بذل جهود كافية لاحتواء الحشود.
غير أن هذه المعطيات تظل في إطار تقييم تعامل الأجهزة الأمنية مع الأزمة، ولا تشكل، وفق ما أكده رئيس الحكومة الإسبانية نفسه، دليلاً قاطعاً على أن المغرب خطط أو دبّر تدفق المهاجرين.
ملف يتجاوز أزمة الهجرة
وتندرج أزمة سبتة ضمن سياق أوسع للعلاقات المغربية الإسبانية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات مهمة، خصوصاً بعد تغيير مدريد موقفها من قضية الصحراء المغربية ودعمها لمقترح الحكم الذاتي.
كما تظل قضية سبتة ومليلية من الملفات السيادية العالقة بين البلدين، إذ يتمسك المغرب بمطالبته بالمدينتين، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءاً من أراضيها.
ويكشف الجدل الأخير أن أزمة الهجرة، رغم بعدها الإنساني والأمني، تتقاطع مع ملفات سياسية وسيادية أعمق في العلاقات بين الرباط ومدريد.
وبينما اختار سانشيز التأكيد على غياب “أدلة قاطعة” تثبت تخطيط المغرب للأزمة، فإن ملف سبتة ومليلية يظل مفتوحاً سياسياً، في ظل استمرار المغرب في التأكيد على مطالبه بشأن المدينتين، وتمسك إسبانيا بموقفها المقابل.





