عين الملك محمد السادس اليوم الثلاثاء، عمدة مراكش فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، ما يجعلها أول امرأة تكلف بتشكيل وقيادة حكومة في تاريخ المغرب.

بهذا التعيين، أصبحت المنصوري البالغة من العمر 50 عاما، ثاني امرأة تتولى منصب رئيسة الوزراء في العالم العربي بعد نجلاء بودين في تونس.
وقالت وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة في بيان، إن المنصوري مكلفة بتشكيل حكومة جديدة، بعد أن فاز حزبها في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 23 سبتمبر.
منذ تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات البرلمانية بأكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب، دخل اسم المنصوري بقوة في النقاش حول رئيس الحكومة القادم.
حصل حزب » التراكتور« على 97 مقعدا من أصل 395.، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار بـ 66، والاستقلال بـ65، وحزب العدالة والتنمية بـ 54.
هذه النتائج أعادت رسم موازين القوى داخل المشهد السياسي المغربي، ووضعت حزب البام في مركز بناء الأغلبية الحكومية المقبلة.
وأصبح اسم المنصوري، بصفتها منسقة القيادة الجماعية للحزب، واحدًا من الأسماء المتداولة بشأن المنصب الذي ظل حتى الآن حكرًا على الرجال.
ينص الدستور على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب الذي جاء أولا في الانتخابات، بناء على النتائج. ولا يشترط أن يكون بالضرورة زعيم الحزب.
ولا تظهر المنصوري في هذا السياق كوافدة جديدة إلى المشهد السياسي؛ فقد راكمت أكثر من 15 عامًا في تدبير الشأن المحلي والعمل البرلماني والحكومي والحزبي.
محامية، ولدت عام 1976، انتُخبت عمدة لمراكش عام 2009، لتصبح أول امرأة تقود إحدى المدن الكبرى في المغرب، وعادت إلى المنصب عام 2021.
كانت عضوة في البرلمان ووزيرة، قبل أن تتولى في فبراير 2024 منصب منسقة القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة.
وعندما سُئلت عما إذا كانت مستعدة لتصبح رئيسة الحكومة، لم تقدم نفسها مرشحة للمنصب، وأعادت الأمر إلى الاختصاص الملكي. وقالت إن تكليفها، في حال قرر الملك محمد السادس إسناد هذه المسؤولية إليها، سيكون شرفًا عظيمًا لها.
- من القانون إلى السياسة
ولدت المنصوري في مراكش في يناير 1976. درست في مؤسسات تعليم فرنسية.
التحقت بجامعة محمد الخامس في الرباط، حصلت على الإجازة في القانون الخاص عام 1998.
تابعت دراستها العليا في فرنسا والولايات المتحدة، في عام 1999 حصلت على دبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه ، وعلى شهادة في القانون الأنغلوساكسوني من جامعة بايس الأمريكي.
قبل التفرغ للعمل السياسي، اشتغلت المنصوري في مجال المحاماة، متخصصة في قانون المعاملات العقارية والتجارية. وكانت عضوًا بهيئة المحامين في مراكش منذ عام 2005.
وكان المجال القانوني، خصوصًا ما يرتبط بالمعاملات العقارية والتجارية، جزءًا من مسارها المهني قبل دخولها عالم السياسة، وانتقالها لاحقًا إلى قطاع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقانون والعقار والتعمير والإسكان.
- »ابنة الباشا «
كان والدها المحامي عبد الرحمن المنصوري، باشا مدينة مراكش لـ 8 سنوات، ثم سفيرا للمغرب لدى الإمارات العربية المتحدة. ما جعل اسم العائلة حاضرًا في الحياة العامة للمدينة قبل دخولها السياسة.
وتقاطع المسارالشخصي للمنصوري مع هذه الخلفية العائلية في تجربتها السياسية، وظلت الصحف تقدمها بوصف »ابنة الباشا «.
و في يوليوز 2025، أثير نقاش حول ملكية بعض الأراضي المرتبطة بأسرتها، والمسمى »عقار تسلطانت«.
تم تسريب عقد بيع العقار الشاسع نواحي مراكش يحمل توقيع المنصوري، بصفتها واحدة من الورثة إلى جانب شقيقيها.
وطالت الانتقادات المنصوري، كونها كانت تشغل لحظة التوقيع على العقد منصبين رسميين مباشرين، عمدة مدينة مراكش ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير.
لكنها أوضحت أن الأمر يعود إلى إرث عائلي، وأن والدها اقتناها سنة 1978 من ملاك خواص، قبل أن تُقسّم سنة 2023 بعد وفاته.
- مراكش.. نقطة الانطلاق السياسية
كان عام 2009 محطة أساسية في المسار السياسي للمنصوري، حين انتُخبت في 23 يونيو عمدة لمراكش، وهي في الـ 33 من عمرها.
كان وصولها إلى هذا المنصب محطة لافتة، إذ أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة جماعة مراكش، وثاني امرأة تتولى عمودية مدينة في المغرب بعد أسماء الشعبي في الصويرة.
وفي ذلك الوقت، لم تكن المنصوري في ذلك الوقت قد راكمت سنوات طويلة في العمل السياسي، وهو ما جعل انتخابها يحظى باهتمام إعلامي واسع.
وركزت بعض التقاريرعلى حداثة تجربتها السياسية، فيما سلطت أخرى الضوء على خلفيتها المهنية في المحاماة ، وعلى صعود حزب الأصالة والمعاصرة الذي تمثله.
واستمرت في رئاسة المجلس الجماعي حتى عام 2015، قبل أن تعود إلى المنصب عقب الانتخابات الجماعية لسنة 2021، بالتزامن مع انتقالها إلى الحكومة.
وهكذا، أصبحت رئاسة مراكش جزءًا ثابتًا تقريبًا من مسارالمنصوري السياسي، قبل أن يتوسع حضورها على المستوى الوطني.
وتكشف هذه المرحلة أيضًا عن طبيعة المسار الذي بنته المنصوري : مسؤولية محلية في مدينة كبرى، بالتوازي مع حضورها داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
وتعد المنصوري عضوا بالجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين، ونائبة رئيس الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية.
- من الجماعة إلى البرلمان
أصبحت المنصوري عضوا في مجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2011–2016، وكانت عضوًا في لجنة المالية والتنمية الاقتصادية.
وخاضت الانتخابات البرلمانية آنذاك، باسم حزب الأصالة والمعاصرة، ممثلة لدائرة المدينة – سيدي يوسف بن علي.
ثم واصلت حضورها البرلماني في الولاية 2016–2021، وكانت عضوًا في لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج.
- الحقيبة الحكومية
في 7 أكتوبر2021، عُينت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ضمن الائتلاف الحكومي الذي قاده حزب التجمع الوطني للأحرار.
وجاء اختيارها لهذه الحقيبة الوزارية منسجمًا مع جانب من مسارها المهني والسياسي، بالنظر إلى تجربتها السابقة في المحاماة والعمل الجماعي في مدينة مراكش.
كما ارتبط هذا الاختيار بقطاعات التعمير والإسكان وإعداد التراب بقضايا تدبير المدن والعقار والتخطيط الحضري.
وأصبح تحدي إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، أحد أبرز الملفات التي واجهتها خلال توليها الوزارة.
- من الوزارة إلى قيادة الحزب
انخرطت في العمل الجمعوي، وتولت رئاسة جمعية طلبة القانون الفرنسي، كما ترأست جمعية (مونية) التي تعنى بالحفاظ على التراث.
و لا يمكن فصل مسار المنصوري عن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي مثلته في البرلمان وارتبطت به منذ سنواته الأولى، قبل أن تصبح واحدة من أبرز قياداته.
استهلت مسارها السياسي بالانضمام إلى حركة لكل الديمقراطيين سنة 2007، كما كانت عضوا مؤسسا لحزب الأصالة والمعاصرة (2008).
وفي فبراير 2024، انتُخبت منسقة للقيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي.
وجاءت هذه المهمة عقب المؤتمر الوطني الخامس للحزب، الذي اعتمد صيغة ثلاثية لتدبير الأمانة العامة. وبذلك أصبحت المنصوري في موقع يجمع بين مسؤولية حكومية وقيادة حزبية.
وفي تصريحات لها، شددت المنصوري على أنها ليست «أمينة عامة» للحزب بالصيغة التقليدية، وإنما منسقة لقيادة جماعية، وهو توصيف يعكس الصيغة التنظيمية التي اعتمدها الحزب آنذاك.
- امرأة في مواقع سياسية متقدمة
يحضر البعد النسائي بقوة في مسار المنصوري، ليس فقط لأنها تولت عمودية مراكش في سن مبكرة، وإنما أيضًا بسبب استمرار حضورها في مواقع سياسية منتخبة وحكومية وحزبية.
غير أن أهمية تجربتها لا تختزل في كونها امرأة في السياسة؛ فمسارها يجمع بين المحاماة، والتدبير المحلي، والعمل البرلماني، والمسؤولية الحكومية، والعمل الحزبي.
ومن هذه الزاوية، تبدو مراكش أكثر من مجرد مدينة في سيرتها : فهي مكان الميلاد، وبداية العمل السياسي، والدائرة الانتخابية، ومسرح تجربتها الأولى في العمودية، ثم موقع عودتها إلى المسؤولية المحلية.





