في خطوة تحمل قدراً كبيراً من المخاطرة السياسية، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الإثنين، الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نوفمبر 2026، بعد تعرض حكومته لهزيمة برلمانية في ملف السكن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والسياسية على حكومته الأقلية.
وجاء القرار بعد أن أسقط البرلمان، الجمعة، تدبيرين قدمتهما الحكومة لمواجهة أزمة السكن، التي تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى قضية سياسية واجتماعية مركزية، خصوصاً بعد إخلاء امرأة مسنّة من منزلها في مدريد، وهي القضية التي أصبحت رمزاً للاحتجاجات على ارتفاع كلفة السكن والإخلاءات.
وقال سانشيز، في خطاب من قصر مونكلوا، إن بلاده تحتاج إلى «إصلاحات عميقة» وإلى غالبية أكبر بكثير تتيح له مواصلة برنامجه السياسي والاجتماعي.
وأضاف معلناً قراره:
«قررت الدعوة منذ هذا الصباح إلى عقد مجلس وزراء طارئ لحل الغرفتين والدعوة إلى انتخابات تشريعية تجري الأحد في 29 نوفمبر».
وبذلك اختار سانشيز الذهاب إلى صناديق الاقتراع قبل الموعد المقرر في منتصف 2027، بدلاً من محاولة إدارة حكومة أقلية في ظل صعوبة متزايدة في تمرير التشريعات. وتأتي الخطوة فيما تشير المعطيات السياسية إلى أن الانتخابات قد تفتح مواجهة حادة بين الاشتراكيين وحزب الشعب والقوى اليمينية، مع احتمال أن يصبح فوكس عاملاً حاسماً في تشكيل الحكومة المقبلة. (Reuters)
لكن مدريد تستحضر تجربة باريس
قرار سانشيز يعيد إلى الذاكرة مباشرة رهان إيمانويل ماكرون في فرنسا عام 2024.
فبعد النتائج القوية لليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية، قرر ماكرون في يونيو 2024 حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، معتبراً أن العودة إلى الناخبين يمكن أن تعيد رسم المشهد السياسي وتمنح مؤسساته وضوحاً جديداً. (elysee.fr)
لكن الرهان لم يؤدِّ إلى الأغلبية التي كان يمكن أن تعيد الاستقرار إلى معسكره. فقد انتهت الانتخابات إلى جمعية وطنية من دون أغلبية مطلقة، مع بروز كتل سياسية رئيسية متنافسة، ما فرض على الرئاسة الدخول في مرحلة طويلة من المفاوضات والتسويات السياسية. وقد أقر ماكرون نفسه لاحقاً بأن قراره بحل البرلمان لم يُفهم كما كان يتوقع، وأن الانتخابات أفرزت مشهداً لا تملك فيه أي قوة سياسية منفردة أغلبية كافية. (elysee.fr)
هل يكرر سانشيز الرهان نفسه؟
هنا تكمن أهمية الانتخابات الإسبانية المقبلة.
سانشيز لا يذهب إلى الانتخابات من موقع قوة برلمانية، بل بسبب انسداد سياسي تفاقم بعد فشل حكومته في تمرير إجراءات مرتبطة بأزمة السكن.
وبالتالي، فإن رهانه يقوم على فرضية سياسية واضحة: تحويل الأزمة البرلمانية إلى تفويض شعبي جديد، وجعل السكن محور المعركة الانتخابية، واستثمار الغضب الاجتماعي في إعادة بناء قاعدة سياسية أكثر قدرة على الحكم.
لكن التجربة الفرنسية تقدم تحذيراً مهماً: الذهاب إلى الانتخابات لا يعني بالضرورة الحصول على أغلبية أكبر.
فقد ينجح سانشيز في تجديد شرعيته السياسية، وقد يجد نفسه أمام برلمان أكثر تشظياً، أو أمام انتقال موازين القوة نحو اليمين.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل تكون انتخابات 29 نوفمبر فرصة لسانشيز لاستعادة المبادرة، أم مقامرة انتخابية قد تعيد في إسبانيا شيئاً من سيناريو ماكرون في فرنسا: انتخابات مبكرة لحل الانسداد، تنتهي بانسداد جديد؟
الجواب لن تحدده صناديق الاقتراع فقط، بل طبيعة البرلمان الذي ستنتجه هذه الصناديق.





