طوّر باحثان مغربيان إطارا للذكاء الاصطناعي يهدف إلى تحديد أنماط استهلاك الطاقة لدى الأسر المغربية، بالاعتماد على بيانات المسوح الاجتماعية والاقتصادية.
وتتيح هذه المقاربة تحليل الاستهلاك في ظل محدودية انتشار العدادات الذكية التي توفر بيانات دقيقة عن استخدام الكهرباء، إلى جانب توجيه السياسات نحو توزيع أكثر إنصافا للطاقة.
أعد الدراسة صفاء صفوان وكريم المتوكل، من جامعة سيدي محمد بن عبد الله، بعنوان » تجميع أنماط استهلاك الطاقة المنزلية في المغرب«، ونشرت في مجلة »الحوسبة العصبية والتطبيقات« في 10 أكتوبر 2026.
ويعتمد الإطار الجديد، الذي يحمل اختصار EF-PRSOM، على تقنيات التعلم الآلي والاشتقاق الكسري لتحسين تصنيف الأسر بحسب أنماط استهلاك الطاقة.
كما يستخدم هذا الإطار خوارزمية جينية لضبط معاملاته، بهدف تحسين دقة النتائج والحد من تأثرها بظروف بدء التدريب.
وتستند هذه المقاربة إلى الخرائط ذاتية التنظيم، وهي شبكات عصبية ابتكرها تيوفو كوهونين عام 1990. وتتعلم هذه الشبكات ترتيب البيانات المعقدة، مثل أنماط استهلاك الكهرباء اليومية، ضمن مجموعات تضم حالات متشابهة.
وأدخل الباحثان المشتقة الكسرية أتانجانا–باليانو–كابوتو، التي طُرحت عام 2016، ضمن آلية التعلم. ويسمح ذلك بإدماج أثر معلومات سابقة في تحديثات الخوارزمية.
ووفقا للدراسة، يساعد ذلك على تحسين عملية التجميع وتجاوز بعض الحلول غير المثلى التي قد تقع فيها الطرق التقليدية.
- تحسن في نتائج التجميع
اختبر الباحثان النموذج أولا على بيانات استهلاك الكهرباء المنزلية في فرنسا، المتاحة عبر مستودع جامعة كاليفورنيا في إرفاين.
وسجل النموذج درجة0.6709 في مؤشر »سيلويت« لقياس جودة التجميع، و0.8769 في مؤشر »ديفيز–بولدين«، الذي تشير قيمه الأقل إلى تمايز أفضل بين المجموعات.
وبحسب نتائج الدراسة، حسّن النموذج درجة مؤشر»سيلويت« بنسبة 124.8 ٪ ، وخفّض مؤشر »ديفيز–بولدين« بنسبة84.2 ٪، مقارنة بخريطة التنظيم الذاتي الاحتمالية الأساسية.
- فئات استهلاك الطاقة
بعد اختبار النموذج، طبّقه الباحثان على بيانات المسح الوطني في المغرب حول استهلاك الأسر وظروف عيشها، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط. وأفضى التحليل إلى تحديد 3 فئات : منخفضة ومتوسطة ومرتفعة الاستهلاك.
وأظهرت النتائج ارتباطا ذا دلالة إحصائية بين أنماط الاستهلاك ومستوى الدخل والفقر ومكان الإقامة، سواء في المناطق الحضرية أو القروية. وسجلت هذه العلاقات مستوى دلالة إحصائية أقل من 0.001، وفق الدراسة.
وتتيح هذه النتائج، فهما أدق للفوارق في استهلاك الطاقة بين الأسر. كما يمكن أن تساعد على تحديد الأسر التي يحد ضعف مواردها المالية أو ظروف عيشها من استهلاك الطاقة.
وتؤكد الدراسة، أن هذه النتيجة من شأنها أن تدعم توجيه برامج الدعم وكفاءة الطاقة والطهي النظيف نحو الفئات الأكثر احتياجا.
- اختلالات مجالية
كشف التحليل المكاني عن تفاوت بين مناطق الطلب المرتفع على الطاقة ومناطق توافر إمكانات إنتاج الطاقات المتجددة.
ووفقا للدراسة، يتركز الطلب الأعلى في مناطق ساحلية شمالية، بينما تتوفر إمكانات مهمة للطاقة الشمسية في الجنوب والشرق.
ويبرز هذا التفاوت أهمية تحسين التخطيط للاستثمارات وتطوير شبكات نقل الكهرباء، بما يتيح ربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك.
كما يمكن أن تساعد البيانات المتعلقة بأنماط الاستهلاك في تحديد الاحتياجات المستقبلية للبنية التحتية وتوجيه الاستثمارات بصورة أكثر دقة.
- الذكاء الاصطناعي لدعم مواجهة فقر الطاقة
تتجاوز أهمية الدراسة تخطيط الشبكات إلى المساهمة في رصد فقر الطاقة.
وتؤكد أن الوصول إلى شبكة الكهرباء لا يعني بالضرورة قدرة الأسر على الحصول على خدمات طاقة كافية وبأسعار ملائمة.
وقد يعكس انخفاض الاستهلاك لدى بعض الأسر، خصوصا في المناطق القروية، محدودية قدرتها المالية على استخدام الطاقة، وليس انخفاض حاجاتها الفعلية. كما قد تلجأ أسر إلى الجمع بين الكهرباء والكتلة الحيوية لتلبية احتياجاتها اليومية.
وعبر الربط بين أنماط الاستهلاك ومستويات الفقر وخصائص الأسر، يوفر الإطار المقترح أداة تحليلية يمكن أن تساعد على توجيه الدعم وبرامج كفاءة الطاقة ومبادرات الطهي النظيف.
غير أن الاستفادة من هذه النتائج، بحسب الباحثين، تظل مرتبطة بجودة البيانات ومدى التحقق من دقة التصنيفات قبل استخدامها في القرارات العمومية.
وتشير الدراسة إلى إمكانية تطبيق هذا الإطار في بلدان أخرى تعاني نقص البيانات التفصيلية عن استهلاك الأسر، خصوصا في أفريقيا والدول النامية.
ويمكن أن يساعد الإطار في تحسين تقدير الطلب على الطاقة وفهم الفوارق الاجتماعية والمجالية، في سياق تزايد الحاجة إلى تخطيط أكثر دقة للتحول نحو الطاقات المتجددة.
وتمتد أهمية الدراسة إلى بلدان إفريقيا ومعظم دول الجنوب العالمي. حيث يؤدي التوسع الحضري السريع والتنمية الاقتصادية إلى زيادة الطلب على الطاقة، في وقت لا تزال فيه البيانات الموثوقة حول استهلاك الأسر محدودة.
وفي المغرب، يمكن أن تسهم هذه المقاربة في دعم التخطيط للانتقال الطاقي، تزامنا مع السعي إلى رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52% من القدرة الكهربائية المنشأة بحلول عام 2030 .





