في ظل المناخات القاسية التي تميّز المناطق الجافة وشبه الجافة في المغرب، يواجه محصول القمح، بنوعيه الخبزي والدوروم، تهديدات نتيجة أمراض فطرية متعددة.
وتُعد بقعة أوراق السيتوريا (SLB) والصدأ البني (BR) أبرز أمراض القمح، ويمكن أن يؤدي انتشارهما إلى خسائر كارثية للفلاحين الذين يعتمدون على القمح كمصدر أساسي للاستهلاك المحلي والتصدير.
وقد أظهرت أبحاث أجراها الباحثان إبراهيم اليوسفي وحنان الوزكي في مختبر علم أمراض الحبوب بالمركز الإقليمي للمعهد الوطني للبحوث الزراعية في سطات، استراتيجيات مبتكرة لاستخدام المبيدات الفطرية للتخفيف من تأثير هذه الأمراض.
أجريت التجارب في محطتين تجريبيتين في معهد البحوث الزراعية في سطات، خلال موسمي الزراعة 2010–2011 و2012–2013. استضاف كل موقع تجربتي نمذجة خسائر إنتاج الحبوب المحتملة، والتحقق من صحة النموذج لفهم تأثيراته بشكل أفضل على الإنتاج.
وركزت النتائج على استراتيجيات إدارة متكاملة تجمع بين المبيدات الفطرية والمقاومة الجينية لتقليل خسائر الإنتاج. توفر هذه النماذج أدوات عملية لإدارة بقعة أوراق السيتوريا والصدأ البني في أنظمة القمح المغربية.
ووفقًا للدراسة، التي تحمل عنوان “استراتيجيات المبيدات الفطرية ونمذجة خسائر المحصول لإدارة بقع أوراق السبتوريا والصدأ البني على الدوروم والقمح الخبزي في المناطق المغربية الجافة وشبه الجافة”، يمكن أن تتسبب هذه الأمراض في خسائر في الغلة تتراوح بين 10 إلى 50٪، وهو ما يمثل تهديدًا كبيرا للأمن الغذائي الوطني.
و تعتمد شدة تطور هذه الأمراض على عوامل متعددة، منها الظروف البيئية (درجة الحرارة، الرطوبة، الأمطار)، نضج المحصول، مقاومة الأصناف المزروعة، والممارسات الزراعية مثل تاريخ الزراعة وتدوير المحاصيل.
تختلف هذه العوامل بين الفصول والمناطق، مما يجعل من الضروري تكييف استراتيجيات الإدارة مع الظروف المحلية، لتحسين علاجات المبيدات الفطرية في حقول الإنتاج.
وأكدت الدراسة على أهمية طريقة وتوقيت تطبيق المبيد الفطري وجرعاته. وتشير النتائج أن التطبيقات الوقائية والعلاجية قد تكون ضرورية حسب شدة العدوى ومراحل نمو المحصول المختلفة.
كما أظهرت الدراسة أن تحسين توقيت الرش وضبط الجرعات يعزّزان فعالية المبيدات، مما يسهم في الحصول على محاصيل أكثر صحة وإنتاجية أعلى، وهو نهج يحمل إمكانات كبيرة لتطوير ممارسات زراعة القمح المستدامة.
اعتمد الباحثان نماذج تنبؤية تستند إلى بيانات مناخية تاريخية مكّنتهما من تحديد الفترات الأكثر عرضة لظهور الأمراض، وبالتالي مساعدة الفلاحين على اتخاذ قرارات استباقية تقلّل من مخاطر انتشار العدوى.
كما أكدت الدراسة التي نشرت في المجلة العلمية “سبرينغر نيتشر” يوم الثلاثاء 25 نوفمبر 2025 أن تطوير أنظمة دعم اتخاذ القرار التي تدمج نماذج مخاطر الأوبئة يمكن أن يساعد الفلاحين على إدارة هذه الأمراض بشكل أكثر فعالية.
تتجاوز الدراسة الاستخدام التقليدي للمبيدات الكيميائية، إذ تدعو إلى دمج ممارسات بديلة مثل تدوير المحاصيل واعتماد أصناف قمح مقاومة.
ويؤكد الباحثان أن الدمج بين هذه التكتيكات يمكن أن يساعد الفلاحين في بناء نظام بيئي زراعي مرن يقلل الاعتماد على المواد الكيميائية مع تعزيز الإنتاجية.
ويقدّر الباحثان أن الفوائد الاقتصادية لهذه المقاربات قد تُسهم في تحسين سبل عيش الفلاحين، إذ إن الحفاظ على إنتاجية المحاصيل يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي وبجهود الحد من الفقر في مختلف مناطق المغرب.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الأمراض الفطرية قد تتسبب—في حال غياب إدارة فعّالة—في خسائر قد تصل إلى 50% من إنتاجية القمح، مما يضع الفلاحين في وضع اقتصادي صعب.
وتؤكد النمذجة الاقتصادية التي قدّمها الباحثان أن التدخل العلمي المدروس يمكن أن يدعم حماية الدخل الفلاحي ويعزز استقرار سلاسل الإمداد الغذائية، ويساهم في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالقطاع الزراعي.
كما أبرز الباحثان أن نتائج الدراسة تتجاوز السياق المغربي، بل تمتد فائدتها إلى مناطق أخرى ذات ظروف مناخية مشابهة، مثل بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا، مما يجعلها مرجعاً مهماً في إدارة أمراض القمح على المستوى الدولي.
وتبرز الدراسة أهمية التنسيق بين الباحثين والفلاحين وصناع القرار لضمان ترجمة النتائج العلمية إلى ممارسات ميدانية فعّالة، بما يسهم في تعزيز الابتكار ودعم استراتيجيات الأمن الغذائي.
أما في الجانب البيئي، فتؤكد ضرورة تقييم التأثيرات طويلة الأمد للمبيدات على صحة التربة والتنوع البيولوجي، مشددة على أهمية اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على مبادئ الإدارة المتكاملة للآفات للحد من الأثر البيئي للتدخلات الزراعية.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل زراعة القمح في المغرب يعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على الابتكار والتكيف مع التغيرات المناخية وتزايد ضغوط الآفات، مقدّمةً خارطة طريق واضحة لتعزيز مرونة المحاصيل وضمان استدامة قطاع يُعدّ من الركائز الأساسية للأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.
++ ثقة تيفي
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/





