حسن بويخف
“يودا” بالأمازيغية، أو “كفى” بالعربية و”باراكا” بالدارجة المغربية، أفضل عنوان نراه مناسبا للتعبير عن الرأي حول ما يجري في بلدنا العزيز وفي العالم بأسره.
لقد أضحت عبارة “العالم أصبح مجنونا” مشتركا عالميا نجدها بكل اللغات وفي المتداول بكل بقاع الأرض. وهي عبارة تختزل النكوص الفظيع الذي تعيش البشرية اليوم في ظله في كل مناحي حياتها، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ولا يخرج بلدنا مع الأسف الشديد عن هذا المشهد المقلق.
و”وباء جنون العالم” سجل أكبر تجلياته في بشاعة الموجة الجديدة- القديمة للتوسع الإمبريالي السياسي والاقتصادي، سواء في الإبادة الجماعية التي تواصلها آلة الحرب الاسرائيلية ضد أزيد من مليوني فلسطيني في قطاع غزة لما يزيد عن سنتين من توالي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أو في صب الزيت على نيران الحروب والنزاعات المسلحة في عشرات المناطق عبر العالم لعل أسوأها الحرب السودانية التي خلفت حتى الآن أزيد من 150 ألف قتيل، حسب لجنة الإنقاذ الدولية، وقرابة 12 مليون نازح مهدد بالمجاعة، والحرب الأكرانية الروسية التي سوف تدخل عامها الخامس بعد شهر تقريبا …
ومن أبشع تجليات جنون العالم سياسة التجويع التي تباشرها الدول الغربية بزعامة أمريكية، ضد فقراء العالم، بخفض المساعدات الإنسانية وتهديد حياة الملايين من الأشخاص حول العالم بسبب نقص التمويل. وقد أفادت دراسة دولية بهذا الصدد أن قرابة 22.6 مليون شخص، بينهم عدد كبير من الأطفال، قد يموتون بحلول عام 2030 لأسباب يمكن تفاديها نتيجة خفض الولايات المتحدة والدول الأوروبية مساعداتها الخارجية…
وتهديدات المجاعة تواجه اليوم بلا مبالاة صادمة نددت بها الأمم المتحدة بمناسبة حديثها عن مصير ندائها لجمع مساعدات إنسانية للعام 2026، ويمكن اختصار الصورة في الوصف الذي أطلقه توم فليتشر، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، على الوضع خلال مؤتمر صحافي في نيويورك لدى عرضه خطة تطمح لجمع 23 مليار دولار لمساعدة 87 مليون شخص في مواقع مثل غزة والسودان وهايتي وبورما وأوكرانيا، (5 دجنبر 2025) حيث قال: “هذا زمن من الوحشية والإفلات من العقاب واللامبالاة”.
و”جنون العالم” الذي لخص فليتشر أعراضه في ثلاث كلمات، “الوحشية، الإفلات من العقاب، واللامبالاة” يمكن رصد مؤشراته في العديد من المجالات الأخرى، نذكر منها على سبيل المثال، أنه في الوقت الذي يعيش فيه ما يقرب من 700 مليون شخص في فقر مدقع (بأقل من 2.15 دولار أمريكي يوميًا)، ويعاني أكثر من 3.5 مليار شخص من الفقر (بأقل من 6.85 دولار أمريكي يوميًا)، تحقق أكبر مائة شركة في قطاع صناعة الأسلحة مبيعات قياسية خلال العام 2024 بلغت قيمتها 679 مليار دولار…
وبلدنا سجل حضوره المؤسف ضمن خريطة انتشار “وباء جنون العالم” في العديد من المجالات، وحقق “تقدما” في مؤشراته المؤسفة. ويمكن تسجيل أعراض وخسائر ذلك الجنون بشكل عام في الجوانب التالية:
ضعف غير مسبوق في هيئات المجتمع المدني المغربي، والذي يشمل الأحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية والجمعيات والمؤسسات الإعلامية. وهذا الضعف شمل الأبعاد الحيوية لدور المجتمع المدني، سواء على مستوى حماية المجتمع من تغول السياسات الخادمة لمصالح اللوبيات الاقتصادية والسياسية، أو على مستوى حماية حقوق الأفراد والجماعات ضد الظلم والطغيان، أو على مستوى إنتاج القيم الأساسية والتنشئة عليها، او على مستوى إنتاج النخب الوطنية النزيهة، او على مستوى التأطير السياسي والحقوقي للشباب وعموم المواطنين.
تراجع هامش الديموقراطية وحقوق الانسان وقيمهما لصالح ثقافة العلاقات الزبونية والولاء للمال والنفود. وتجاوز منطق تلك الثقافة الممارسات إلى السياسات، وقد شهدنا كيف تمت حماية الفساد بنزع الحق في متابعته والترافع ضده أمام القضاء من المجتمع المدني، مما حرم المال العام من آلية فعالة في الحماية أتبتث نجاعتها القوية في مطاردة المفسدين. كما شهدنا كيف أضعفت شبكة المستشفيات العمومية لصالح الاقتصاد الخاص الذي أصبحت أنظمة الحماية الاجتماعية من اهم روافده المالية الآمنة. وشهدنا كيف تفردت الحكومة وأغلبيتها البرلمانية بصياغة وتمرير قوانين أساسية بمنطق الأمر الواقع، مثل قانون الحق في الاضراب، والذي تجاوز منطق التنظيم إلى منطق المنع والتقييد لممارسة حق دستوري. وشهدنا كيف يتم تسليم المجلس الوطني للصحافة لمنطق المال والنفوذ والولاء من خلال مشروع قانون تراجعي يضرب بعرض الحائط فلسفة وقيم التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة. وعمليا يصعب على الجمعيات الجادة الحصول على الوصل النهائي لعملها خارج قرارات القضاء، لتبقى حبيسة آلة التسويف والانتظار الإداري …
وفي الوقت الذي تتفاقم فيه مؤشرات البطالة وانتشار المخدرات، خاصة في أوساط الشباب، يواصل الغلاء الفتك بالقدرة الشرائية للمواطنين في ظل أنظمة للحماية الاجتماعية ضعيفة وعاجزة عن توفير حد أدنى من الكرامة والاطمئنان الاقتصادي والاجتماعي للفئات الهشة التي أصبحت رهينة الخوف من ارتفاع “المؤشر” والحرمان بالتالي من الدعم الزهيد الذي تتوصل به.
وتكشف تقارير المندوبية السامية للتخطيط كيف أصبح الفقر بنيويا، وكيف أصبحت الطبقة الوسطى هشة وضعيفة، مما يعد مؤشرا مقلقا على مستوى التنمية التي تواصل الأرقام الرسمية عجزها عن تجاوز عتبة الموت حتى في أحسن تقديراتها تفاؤلا، … هذا كله فيما تواصل اللوبيات الاقتصادية رفع أرصدتها البنكية وهوامش ربحها بشكل غريب وغير مسبوق.
وفيما يعاني المجتمع من الضعف الشديد، تشب نيران التفاهة والإدمان على مصادرها في مختلف مجالات التنشئة الاجتماعية. فلم يسلم منها التعليم والثقافة بعد أن أخضعت الإعلام، وخاصة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي. مما ينذر بمضاعفات على مستوى قدرة المواطنين على مواجهة تزييف الوعي ومواكبة السياسات ونقدها، لتحصين الدولة من عوامل الضعف.
وهذه الصورة الرمادية لا ينبغي أن تحجب الكثير من الأمور الإيجابية التي لها أيضا مؤشراتها ومراجعها، غير أننا في سياق مقالات “يودا” تهمنا مقاومة النكوص والسلبية، والاشارة إلى مكامن الخطر، لا تعزيز جبهة “العام زين” المتملقة.
إن الدولة، وإن كانت في حاجة ماسة إلى رأي عام إيجابي وموحد، فهي في حاجة أكبر إلى من يحرر ذلك الرأي العام من الأكاذيب والأوهام، وإلى من يجعله وطنيا صادقا، ونهضويا واعيا.
إن مرتزقة جبهة “العام زين” يخوفون الدولة من وعي الجمهور، ومشاركة المواطنين، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الاعلام، … وهم بذلك أكبر وباء يمكن أن ينتشر في مجتمع ينشد التقدم والازدهار.
وفي مقابل “جبهة العام زين”، تنتصب أبواق “جبهة العدمية” التي لا ترى سوى الظلام في الأفق، وتنتعش بنشر اليأس والسلبية، ولا تتردد في استثمار الشائعات التي تتناغم مع “شخصيتها السياسية” المريضة، ما يجعلها سهلة الاستغلال والتوظيف.
والدولة وإن كانت في حاجة ماسة إلى إضعاف “جبهة العدمية” فالمؤكد أن ذلك ليس بسياسة “زيد الشحمة في ظهر المعلوف” تجاه “جبهة العام زين”، فالجبهتان وجهان لعلمة واحدة هي الزيف. وقوة الدول لا تبنى بالزيف، بل بالصراحة والصدق، بالحوار والانصات، بالتحمل والرعاية السليمة، بتعزيز كرامة المواطن والاعتراف له بكونه مصدر كل السلط، … باختصار بالاستثمار الجيد في “الثقة المتينة” المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
لقد اخترنا لمقالات “يودا”، التي افتتحنا سلسلتها بهذا المقال الافتتاحي وفي أول يوم من العام الجديد 2026، أن تقف إلى جانب المجتمع ضد الفساد والافساد، وأن تقف بسلاح الكلمة الصادقة في وجه جبهتي “العام زين” و”العدمية”، وأن تساهم في تعزيز الثقة الواعية بين الدولة والمجتمع في إطار علاقة عادلة ومتوازنة.
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
