جددت سبع جمعيات وطنية متخصصة في مجال الأبحاث الأثرية، في بيان، استنكارها الشديد لمواصلة جامع الآثار الفرنسي آلان رو دريغ (Alain Rodrigue)، القيام بأبحاث وتنقيبات أثرية سرية وغير مرخصة بعدد من المواقع الأثرية، لاسيما بإقليم طاطا في خرق سافر للقوانين والتشريعات المغربية الجاري بها العمل وللأعراف والمواثيق الدولية المنظمة للبحث العلمي وحماية التراث الثقافي.
وفيما طالبت الجمعيات وزارة الداخلية ووزارة الشباب والثقافة والتواصل بالتدخل العاجل، وفتح تحقيق واسترجاع القطع المسروقة، وإيلاء العناية اللازمة والمتابعة الجادة لشكاية تقدمت بها جمعية أمنير لدى الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بأكادير بتاريخ 14 أبريل 2023، يتساءل الباحث المحفوظ أسمهري، في تصريح لثقة تيفي، عن سبب عدم التعامل بالحزم مع باحث يعادي الوحدة الترابية للمملكة ويعترف بسرقة مئات القطع الأثرية؟
30 سنة من النهب
في بيان مشترك أكدت الجمعيات السبع الموقعة، توصلت ثقة تيفي بنسخة منه، أن هذا الشخص دأب على مدى أزيد من ثلاثين سنة، على القيام بأبحاث ميدانية وجمع لقى أثرية من مختلف جهات المملكة، من أقصى الشمال القصر الكبير إلى أقصى الجنوب )إقليم أوسرد)، دون أي ترخيص قانوني.
وأوضحت الجمعيات في نفس البيان أن عدد القطع الأثرية التي قام بجمعها بطرق غير قانونية يفوق 30 ألف قطعة لا يُعرف مصيرها إلى حدود اليوم، من بينها على سبيل المثال لا الحصر، إناء فخاري مكتمل يعود للفترة الجرسية )حوالي 3500 سنة)، وأضمومات من الأدوات الحجرية التي تنتمي لمختلف الثقافات الحجرية التي عرفها المغرب منذ العصر الأشولي إلى العصر الحجري الحديث، في ما يشكل مسا خطيرا بالتراث المادي الوطني والإنساني.
وشددت الجمعيات الموقعة على البيان على أن المعني بالأمر لم يحصل سوى على ترخيص وحيد ومحدود من طرف المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، خُصص حصريًا لمنطقتي أوكيمدن والياغور بالأطلس الكبير، وذلك في إطار إعداد أطروحته الجامعية التي نوقشت سنة 1998، في حين أن جميع الأبحاث والتنقيبات التي أنجزها بعد ذلك في باقي مناطق المملكة تمت بشكل غير قانوني وسري، دون أي إذن رسمي من الجهات المختصة.
تصريحات سياسية معادية للمغرب
وذكرت الجمعيات بأن هذا الباحث كان موضوع توقيف من طرف مصالح الدرك الملكي بتاريخ 27 مارس 2016 جنوب مدينة السمارة، إثر ضبطه وهو بصدد الاستعداد للقيام بأبحاث وتنقيبات أثرية سرية وغير مرخصة بموقع الغشيوات جماعة أمكالا)، في انتهاك واضح للقانون، دون احترام للمساطر المعمول بها.
ونبهت الجمعيات المغربية إلى أن خطورة ممارسات هذا الشخص لا تقف عند حدود النهب الأثري والبحث السري، بل تتجاوزها إلى مواقف وتصريحات وكتابات عدائية صريحة للوحدة الترابية للمملكة المغربية، حيث عمد إلى توظيف البحث الأثري والعلمي توظيفا سياسويًا منحازا، يناصر الطرح الانفصالي، ويشكك في سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، في تعارض تام مع أخلاقيات البحث العلمي ومبادئ الحياد الأكاديمي.
شكايات سابقة لم تفعل
وفي تصريح لثقة تيفي أكد المحفوظ أسمهري، الرئيس السابق للجمعية المغربي للفن الصخري (AMAR)، أن هذه الجمعية سبق لها أن أثارت تجاوزات هذا ” الباحث الفرنسي” سنة 2018، عندما حاول أنداك القيام بأنشطة مشبوهة في مواقع النقوش الصخرية الموجودة ضاحية مدينة السمارة بالصحراء المغربية، وأضاف أسمهري أن يقظة المجتمع المدني المهتم بهذا التراث الصخري القديم في هذه المدينة كانت له بالمرصاد، فبادرت بعض الجمعيات في السمارة إلى التنسيق مع (AMAR) – باعتبارها جمعية وطنية وممثلة المغرب في المنظمات القارية والدولية المهتمة بالمحافظة على الفن الصخري القديم – فوجهت هذه الأخيرة مراسلات إلى عدة جهات منها وزارة الخارجية ووزارة الداخلية، لكن بدون جدوى على ما يبدو.
والغريب في الأمر، يشدد أسمهري، أن هذا ” الباحث الفرنسي، “، يقوم بأبحاث ميدانية غير مرخص لها في مواقع النقوش والرسوم الصخرية بالجنوب المغربي ، وينهب تراث المغرب ويسيء إلى الوحدة الترابية للمملكة، وهذا واضح في كتابه المعنون ب: ” La Seguia El Hamra : contribution à l’étude de la préhistoire du Sahara Occidental”.
اعتراف بالسرقات
وأوضح أسمهري أن صاحب هذا الكتاب اعترف أنه جمع، بين 2001 و2004 في موقع واد إدقي لوحده، أزيد من 1000 قطعة أثرية (الصفحة 19 من الكتاب) بدون ترخيص، وهو بذلك يستنزف التراث الأثري لأقاليمنا الصحراوية بشكل ممنهج. فالمطلوب من وزارة الثقافة، يضيف نفس المتحدث، أن تباشر الإجراءات عاجلا لاسترجاع هذا التراث، بل وتقديم هذا الشخص إلى المحاكمة، لأن الاعتراف هو سيد الأدلة.
وينبه أسمهري في نفس التصريح إلى أن عداء الباحث الفرنسي للوحدة الترابية للملكة، يظهر جليا في كتابه حول ” الساقية الحمراء: مساهمة في دراسة ما قيل التاريخ للصحراء الغربية”. فرغم أن عملا علميا أكاديميا حول فترة ما قبل التاريخ لجهة الصحراء، يوضح أسمهري، لا يحتاج إلى مقدمة تتناول تاريخ النزاع الحالي حول المنطقة، إلا أن هذا “الباحث الأثري ” ضمن كتابه مقدمة مرر فيها مواقف معادية للوحدة الترابية للمملكة، حيث وصف فيها المغرب بالمحتل (الصفحة 13) ووصف المسيرة الخضراء بكونها ” غير وطنية وغير سلمية” ، وقال بالحرف (la marche verte, Pseudo élan patriotique et pacifique).
لماذا غاب الحزم؟
ويقول أسمهري إن السؤال المحير، في الوقت الذي يتعامل المغرب بحزم مع دول تعادي وحدته التراتبية، هو لماذا لم تتعامل الجهات المختصة بنفس الحزم مع شخص يطعن في الوحدة الترابية للمملكة، بل ويعترف أنه ينهب التراث الأثري للصحراء المغربية؟
واعتبرت الجمعيات في بيانها المشترك أن التراث الأثري المغربي جزء لا يتجزأ من الهوية التاريخية والحضارية للمملكة، وأحد رموز سيادتها، وأي مساس به خارج الإطار القانوني والمؤسساتي يُعد اعتداء مرفوضا على السيادة الوطنية، وسلوكًا خطيرا يستوجب المساءلة. وأمام فداحة هذه الأفعال، واستمرار هذا الشخص في التعدي على التراث الأثري الوطني منذ عقود، وتطاوله المتكرر على الوحدة الترابية للمملكة
وطالبت الجمعيات في بيانها وزارتي الداخلية، والشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة – بالتدخل العاجل لوضع حد نهائي لهذه الأبحاث الأثرية غير المرخصة.
كما دعت إلى فتح تحقيق جدي ومسؤول في مآل آلاف القطع الأثرية التي قام بجمعها داخل التراب الوطني، والعمل على استرجاعها باعتبارها ترانا وطنيًا وإنسانيًا.
مطالب ترفع لتنتظر
وطالب بيان الجمعيات بإيلاء العناية اللازمة والمتابعة الجادة للشكاية التي تقدمت بها جمعية أمنير لدى السيد الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بأكادير بتاريخ 14 أبريل 2023. كما طالب باعتبار آلان رودريغ شخصا غير مرغوب فيه.
ودعت الجمعيات في بيانها السلطات المعنية إلى تعزيز آليات المراقبة والتصدي للبحث العلمي السري ونهب اللقى الأثرية، خاصة بالأقاليم الجنوبية للمملكة، وتوفير الإمكانيات اللوجستية والبشرية للمصالح المختصة المكلفة بحماية التراث الأثري الوطني.
كما طالبت في نفس البيان بإلزام جميع الباحثين الأجانب باحترام سيادة المملكة المغربية وقوانينها وثوابتها الوطنية، وجعل ذلك شرطاً أساسياً لأي تعاون علمي أو أكاديمي، مع رفض الزج بالبحث العلمي في المزايدات السياسوية.
يذكر أن الجمعيات والهيئات الموقعة على البيان الاستنكاري هي: جمعية أمنير – المكتب الوطني، المرصد الوطني للتراث الثقافي، جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، جمعية الطبيعة مبادرة، جمعية ميران لحماية الآثار، مركز الساقية الحمراء لحماية الآثار وتثمين التراث، الجمعية المغربية للتراث.





