تستدعي قضية الباحث الفرنسي آلان رودريغ (Alain Rodrigue) وقفة تأمل وتساؤل واستغراب، بالنظر إلى ما تثيره من معطيات مقلقة وغير مفهومة.
فهذا الباحث، الذي بدأ اشتغاله الأكاديمي بالمغرب في إطار إعداد أطروحته الجامعية التي نوقشت سنة 1998، ما يزال، بحسب جمعيات مغربية متخصصة في البحث الأثري وحماية التراث الوطني، يثير جدلًا متواصلًا في الساحة الأثرية الوطنية، بسبب منهج اشتغاله الميداني، الذي تعتبره هذه الجمعيات غير منسجم مع القوانين الوطنية المنظمة للبحث الأثري، وقد يشكل، وفق رأيها، تهديدًا حقيقيًا للثروة الأثرية المغربية.
وقبل أيام فقط (6 يناير الجاري) وجهت له سبع جمعيات اتهامات خطيرة، عبر بيان مشترك، بعد شروعه من جديد في “إجراء أبحاث وتنقيبات أثرية سرية وغير مرخصة بعدد من المواقع الأثرية، لاسيما بإقليم طاطا في خرق سافر للقوانين والتشريعات المغربية الجاري بها العمل وللأعراف والمواثيق الدولية المنظمة للبحث العلمي وحماية التراث الثقافي”، حسب نص البيان.
وتؤكد الجمعيات، في بيانها، أن هذه الممارسات المزعومة ليست معزولة أو حديثة العهد، بل تعود، حسب تقديرها، إلى ثلاثة عقود من البحث الميداني غير المؤطر قانونيًا، مشيرة إلى ما تعتبره “تنقيبًا دون ترخيص، وتجميعًا واسعًا للقطع الأثرية، ونقلًا لها خارج التراب الوطني” مقدرا حجم ما تم نقله إلى الخارج بثلاثين ألف قطعة أثرية !
كما تتهمه الجمعيات بتوظيف أبحاثه لدعم الطروحات الانفصالية المناهضة للوحدة الوطنية. وبالرجوع إلى مقدمة كتابه المعنون ب: ” La Seguia El Hamra : contribution à l’étude de la préhistoire du Sahara Occidental”. نجد أن الباحث مرر فيها بالفعل مواقف سياسية متحيزة ضد المغرب فيما يتعلق بملف الصحراء المغربية.
الأكثر إثارة للاستغراب، وفق ما جاء في البيان ذاته، هو أن هذه الجمعيات تؤكد أنها نبهت مرارًا السلطات المختصة، وقدمت شكايات رسمية في الموضوع، دون أن يتم، إلى حدود اليوم، إخبارها أو الرأي العام بمآل هذه المساطر.
وتشير الجمعيات إلى أن آخر شكاية تم وضعها ضد الباحث الفرنسي كانت بتاريخ 14 أبريل 2023، من طرف جمعية أمنير، لدى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بأكادير، دون أن يُعرف، بعد مرور سنتين وثمانية أشهر، ما الذي آلت إليه.
كما تورد الجمعيات واقعة توقيف الباحث من طرف مصالح الدرك الملكي بتاريخ 27 مارس 2016 جنوب مدينة السمارة، أثناء استعداده، حسب روايتها، للقيام بأبحاث وتنقيبات أثرية غير مرخصة بموقع الغشيوات بجماعة أمكالا، ولم تُعلم أي معطيات حول ما إذا كانت هذه الواقعة قد ترتب عنها متابعة قضائية من عدمها.
وحسب الفاعلين الجمعويين، فإن الباحث الفرنسي عاد، بعد سنوات من واقعة التوقيف المذكورة، إلى مواصلة أنشطته البحثية، وهو ما دفع الجمعية المغربية للفن الصخري (AMAR) إلى دق ناقوس الخطر سنة 2018، حين تحدثت عن محاولات قيامه بأنشطة مشبوهة بمواقع النقوش الصخرية بضواحي مدينة السمارة.
وفي تصريح سابق للرئيس السابق لـ (AMAR) ، أكد أن المجتمع المدني المهتم بالتراث الصخري بالمنطقة تحرك حينها، ووجه مراسلات إلى عدة قطاعات حكومية، من بينها وزارتا الداخلية والخارجية، دون أن يلمس أي تفاعل ملموس.
وبتحليل مضمون بيانات الجمعيات المتخصصة، يمكن تصنيف المؤاخذات التي توجهها للباحث الفرنسي في النقاط التالية:
- غياب الترخيص القانوني: حيث تؤكد الجمعيات أن الأبحاث الميدانية لم تكن دائمًا خاضعة لتراخيص رسمية من وزارة الثقافة، أو أنها أُنجزت تحت غطاء “أبحاث سطحية” تحولت إلى حفريات. غير مرخصة
- تجميع القطع الأثرية وشحنها: إذ تتحدث الجمعيات عن استغلال عقود من البحث الميداني لتجميع آلاف القطع الأثرية (أدوات حجرية، رؤوس سهام، فؤوس يدوية) ونقلها إلى الخارج.
- عدم إيداع القطع بالمؤسسات الوطنية: وتؤكد المعطيات المعلنة أن هذه القطع، لم تُودع في متاحف وطنية مغربية، بل نُقلت لتُشكل مجموعات خاصة أو لتُعرض في مؤسسات فرنسية دون اتفاقيات استرداد واضحة. والباحث نفسه يعترف، في كتابه المشار إليه سابقا، بجمع أزيد من 1000 قطعة أثرية من موقع واحد خلال الفترة 2001-2004.
- الاستمرار رغم التنبيهات: حيث يبدو أن الباحث لا يرتدع من الشكايات وسابق توقيف، ولا يهتم ببيانات المجتمع المدني المغربي المنبهة والمنددة، وربما لا يهتم بالحصول على ترخيص أصلا …
وإذا صحت هذه المعطيات، كما توردها الجمعيات، فإننا نكون أمام وضع يطرح أسئلة محرجة حول كيفية تدبير ملف حساس كالثروة الأثرية الوطنية.
والمفارقة الكبيرة هي أنه في الوقت الذي يبذل فيه المغرب جهودا كبيرة في استرجاع آلاف القطع المهربة من الخارج (من فرنسا، الولايات المتحدة، والمكسيك)، نجد جمعيات عدة ترفع صوتها منبهة إلى وجود ما تعتبره نزيفا خطيرا يتم تحت غطاء البحث العلمي خارج الضوابط القانونية، متحدثة عن “تهريب” أزيد من 30 ألف قطعة أثرية من طرف باحث واحد!
والقضية، كما تُعرض للرأي العام، تضع أربع جهات رسمية في موقع التساؤل:
- النيابة العامة، بالنظر إلى وجود شكايات سابقة لم يُعلن عن مآلها؛
- وزارة الداخلية، بحكم مسؤوليتها عن مراقبة الأنشطة الميدانية وسابقة توقيف الباحث؛
- وزارة الثقافة، بصفتها الوصية على التراث الأثري؛
- إدارة الجمارك، في ضوء المعطيات المتعلقة بنقل قطع أثرية إلى خارج البلاد.
فهل كلفت هذه الجهات الأربع نفسها عناء تنوير الرأي العام الوطني والجمعيات المترافعة حول وضعية هذا الباحث الغريب، وما إذا كان لأعماله غطاء قانوني أم لا؟
وتثير القضية أيضا تساؤلًا حول غياب تفاعل الأحزاب السياسية والبرلمان مع موضوع حظي بتغطية إعلامية واهتمام مدني متزايد.
إن الباحث الفرنسي، حسب المعطيات التي تعلنها الجمعيات المغربية للرأي العام، تمكن من العمل خارج القانون في ظل ست حكومات مغربية. وتستحق قضيته بذلك أن ترشح للتسجيل في موسوعة غينيس للأرقام القياسية في مجل خرق القوانين المنظمة للبحث العلمي عبر العالم.
والخلاصة أنه يشتبه في أننا أمام وضع غريب يتميز فيه باحث فرنسي بـ”امتياز” مباشرة أبحاثه الأثرية في المغرب متى شاء وأين شاء، واستخراج القطع الأثرية بقدر استطاعته، ونقلها خارج المغرب بحرية.
إن الغموض الذي يحيط بهذه القضية يطرح أسئلة مقلقة حول هذا “الامتياز” المزعوم الذي ينعم به الباحث الفرنسي، نجملها في الآتي:
- هل يتعلق الأمر بحالة معزولة أم بظاهرة أوسع؟
- لماذا لم يصدر إلى حدود اليوم توضيح رسمي يحسم الجدل؟
- ما الذي يفسر هذا الصمت المؤسساتي الطويل؟
- وهل توجد آليات مراقبة فعالة تحمي التراث الأثري الوطني من أي استغلال محتمل خارج القانون؟
- أين الجامعات المغربية من هذا الجدل؟
وإذ نتوقف عند هذا الموضوع، بناء على بيانات وتصريحات الجمعيات المعنية، وفي غياب أي توضيح رسمي من الجهات المختصة أو رد من المعني بالأمر، نؤكد على احترام قرينة البراءة وحق الرد المكفول قانونًا.
غير أن استمرار الغموض، في حد ذاته، يطرح إشكالًا حقيقيًا حول تدبير ملف بالغ الحساسية، ويفرض على المؤسسات المعنية واجب التوضيح والتواصل مع الرأي العام الوطني.
فأين الأحزاب السياسية من كل هذا؟ وأين ممثلي الأمة لمساءلة الحكومة حول هذه القضية؟
