الحدث البارز في مقابلة المغرب والسنغال، والذي كتب بمداد خاص أحد الفصول المثيرة في تاريخ كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم، ليس هو فوز السنغال بكأس النسخة 35 وخسارة المغرب، بل هو التحول الذي حدث في مسار المقابلة بين العملاقين في الدقائق الأخيرة من الوقت بدل الضائع للشوط الثاني.
فبعدما ألغى الحكم هدف للسنغال بسبب خطأ أحد لاعبيه، قرر بعد اللجوء إلى تقنية “الفار” احتساب ركلة جزاء للمغرب قبل النهاية بدقيقتين.
قرار الحكم احتساب ركلة الجزاء أغضب مدرب المنتخب السنغالي، باب ثياو، فذلك التوقيت يعني بالنسبة له الهزيمة، فاختار أن ينسحب محتجا ويملك ما يبرر به هزيمته الحتمية بدعوى خطأ المدرب أو حتى ادعاء تآمره، على أن يواجه وضعا قد ينهزم فيه في الميدان إذا تمكن المغرب من تسجيل الهدف بضربة جزاء.
بناء على هذه الحسابات وشبيهتها قرر ثياو الانسحاب من المقابلة، وأمر لاعبيه بمغادرة الملعب، وهو ما نفذوه باستثناء لاعب واحد اتخذ موقفا سوف يغير مسار المقابلة بشكل درامي فاق التوقعات.
مقابل حسابات المدرب كان هناك رجل ذكي وحكيم، هو النجم ساديو ماني، حيث صمد ضد قرار مدربه، بل وخالفه بدعوة اللاعبين للعدوة وإرجاعهم، ونجح في إقناع غالبية اللاعبين بالعودة ما اضطر المدرب إلى مجاراته في الأخير.
ماني كان له حساب آخر، فهو قارب اللحظة الحاسمة بمقاربة إيجابية وروح رياضية، فركلة الجزاء يمكن ألا تكون ضربة قاضية، بل فرصة الإنقاذ. فاحتمال خسارتها من طرف المغرب وارد، واحتمال إنهاء المقابلة بالتعادل السلبي وارد أيضا وفسح المجال للأشواط الإضافية وارد أيضا.
وبالفعل فالنظرة الإيجابية والروح الرياضية واحترام أخلاقيات اللعبة، والتي على رأسها احترام قرارات الحكام، توجت بالنتيجة في لحظة فارقة. اللحظة التي عاد فيها لاعبو المنتخب السنغالي إلى الميدان خاضعين لقرار الحكم.
لقد عاش ملايين المغاربة وقتا عصيبا لحظة وقوف النجم المغربي إبراهيم دياز أمام الكرة مغمض العينين في تركيز شديد. نعم لقد تمكن السنغاليون من التشويش على دياز، لكن الأهم هو لحظة وقوع الكرة في قبضة الحارس السنغالي إدوارد ميندي دون أن يتزحزح من مكانه، لتفتح المقابلة باب كل الاحتمالات، ومن ضمنها احتمال انتصار منتخب السنغال.
هذه اللحظات من المهم استخلاصها من ركام الصور الكثيفة التي تقدمها المقابلة، والتوقف عندها وقفة تأمل. ففي هذه المقاربة لا تهم الفوارق بين المنتخبين، الجسدية والفنية والمعنوية وغيرها، بل ما أحدثته النظرة الحكيمة والملتزمة بالروح الرياضية وأخلاقيات اللعبة لدى اللاعب ساديو ماني، فموقفه الصائب هو ما أحدث التحول، وسمح لباقي الأحداث أن تأخذ المسار الذي أخذته.
هنا لا نقيم مستوى لعب الفريقين، ولا الفوارق الجسدية بينهما، ولا جودة استراتيجيات الحكمين المتصارعة، ولا جودة التحكيم، ولا ما جرى في المدرجات، … بل نستخلص درسا قيما في كيفية بناء المواقف.
وبمقارنة موقف مدرب فريق السنغال المبني على الغضب والتسرع والحسابات الضيقة المحكومة بالنظرة السلبية، والذي تحكم نتيجته لو نفذ بالهزيمة المحققة. وبين موقف اللاعب ساديو ماني، الذي لم ينهزم نفسيا أمام قرار الحكم وأمام الوقت الهزيل المتبقي من المباراة ولا حتى أمام إمكانية أن ينجح المغرب في تسجيل ركلة الجزاء.
إن مخاض ولادة انتصار المنتخب السنغالي انطلقت فعليا بعدما رجح موقف ساديو، وتعزز ذلك المخاض بخسران ضربة الجزاء من طرف دياز.
إن موقف ساديو يعتبر بكل المقاييس موقفا شجاعا، ومثل تلك المواقف هي التي تكتب التاريخ الحقيقي، لكن قليلا ما يلتفت إليها. فشعب السنغال، سوف ينظر إلى النتيجة، وإلى صورة مدرب منتخبه وهو يحمل الكأس. وهي صورة زائفة لأن باب ثياو كان يدفع منتخبه نحو الهزيمة المحققة، وساديو ماني هو من كان يجدبه إلى إمكانية الانتصار .. ثم انتصر.
ما كان لباب ثياو أن يحمل الكأس ولا أن يلمسها، فالذي يستحق أن يربط الانتصار بصورته هو اللاعب ساديو ماني، لكن هذه هي “اللعبة” أينما كانت، في الرياضة كما في السياسة.
وتبقى العبرة التي نستخلصها لحياتنا العامة، هي في كيفية مواجهة المواقف التي تعترضنا، مهما كانت خطيرة وقاسية، بصبر وتبصر وتؤدة. وفي أهمية ألا نفقد السيطرة على التفكير، وألا نستسلم للغضب والانفعال… وقصة سايدو ماني ومدربه باب ثياو تعطي نموذجا رائعا وقويا في هذا المجال.. فهل نعتبر.



