حسن بويخف
ليس أخطر ما في تسريب الامتحانات الأخير أنه يربك الزمن المدرسي، بل أنه يكشف قبولاً اجتماعياً متنامياً بالغش بوصفه حقاً.
فخلف الحديث عن الارتباك الكبير الذي عرفه قطاع التعليم في المغرب بسبب تسريب مواضيع “الامتحان الموحد المحلي” وفروض المراقبة المستمرة الخاصة بمؤسسات “الريادة”، تختفي ظاهرة خطيرة. وإذا كانت ظاهرة تسريب الامتحانات في حد ذاتها تشكل ضربة في مقتل منظومة التعليم بالمغرب، فإن الأخطر منها مراهنة قطاع معتبر من الآباء والتلاميذ عليها.
ويكفي أن نسجل سلوكاً صادماً رصده بعض الأساتذة وسط التلاميذ صباح يوم أمس الأربعاء 21 يناير، في اليوم الذي كان يفترض أن يُجرى فيه الامتحان. فالأساتذة الذين علموا ليلاً بالتسريب لم يتوقعوا أن يكون التلاميذ على علم بذلك؛ غير أنهم اكتشفوا أمراً أخطر: أن عدداً معتبراً منهم تجاوز مجرد العلم بالتسريب إلى تلقي دعم حول المواد المسربة، والتظاهر وكأن شيئا لم يقع!
وهذا “الدعم” المفترض الذي تلقاه هؤلاء التلاميذ حول المواد المسربة، لعب فيه آباء وأولياء هؤلاء التلاميذ دورا حيويا، سواء في البحث عن المواد المسربة والحصول عليها، أو بإيجاد “حلول” لها من طرف جهات تنشط في مجال الدعم المدرسي. ما يجعلنا أمام ظاهرة خطيرة تتجاوز التلميذ الكسول إلى وليه المتواطئ.
ومن المؤسف أن يتم التطبيع والتساهل مع مثل هذه الممارسات التي من شأنها تعزيز التوجه المقلق الذي يرى رواده من التلاميذ، وغيرهم، أن الغش المدرسي “حق التلميذ”، وأنه السبيل لتحقيق تكافؤ الفرص من منظورهم. وقد عبر عدد كبير من التلاميذ عن هذا الانحراف القيمي إعلاميا، في محطات عدة سابقة بمناسبة امتحانات الباك.
إن ما نشهده ليس غشاً فردياً، بل انتقالاً من “سلوك سري” إلى “ثقافة معلنة”، ومن خطأ تلميذ إلى تواطؤ أسرة وسوق خدمات موازية.
إن القرارات التي اتخذتها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ضد التسريب، مثل إلغاء الامتحانات وتأجيلها ومباشرة إجراءات قانونية وتحريات دقيقة لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية في حق المتورطين فيه، يتضح من الظاهرة الجديدة أنها غير كافية.
فتواطؤ التلاميذ وأوليائهم وجهات تنشط في الدعم المدرسي على “استثمار” التسريبات لصالح بعض التلاميذ يكشف عن خلل فضيع يهدد المنظومة التربوية.
فأن يرى بعض الآباء في التسريبات فرصة لأبنائهم فهذا من أخطر أعراض المرض الثقافي الذي ينتشر في المجتمع بعيدا عن أية معالجة.
إن ولي أمر التلميذ الذي يشجع ابنه على الغش ويساعده عليه لا يخرب طفلا، بل يخرب مستقبل وطن بأكمله. وكلما انتشرت ظاهرة الآباء الذين لا يرون في الغش عيبا، بل يتذمرون من كل إجراء يضيق عليه، فإننا نكون بصدد تخريب المدرسة بمعول الأسرة.
وهذا الأمر الخطير يتطلب الاشتغال على مستوى الأسرة بالخصوص، وذلك بوضع استراتيجية للتحسيس والتوعية بأهمية صون حرمة الامتحانات، ليس فقط لضمان العدل وتكافؤ الفرص، بل لحماية مصداقية الشواهد، ومصداقية النقطة والنجاح، وحماية مستقبل “الكفاءة الوطنية”.
إن عملية التسريب الأخيرة، والتي ضربت مستويات لم تكن تعرف هذه الظاهرة، لا يمكن فصلها عن سوق المتاجرة بتسريبات الامتحانات. وهذه السوق التي كانت تنشط بالخصوص في فترة امتحانات الباكالوريا، ينبغي البحث عن أنشطتها بمناسبة هذه التسريبات الأخيرة أيضاً.
فالتحقيقات لا ينبغي أن تنحصر في الجهاز الإداري للوزارة في مختلف مستوياته، بل أيضاً في علاقة “المسربين” المحتملين بسوق المتاجرة في تسريبات الامتحانات. ذلك أن تسريب الامتحانات إن لم يكن للإضرار بمنظومة التعليم ببلدنا فهو لتحقيق “عائد مالي” تعد به “سوق التسريبات”، وهذا يفرض تظافر جهود مختلف المؤسسات للوقوف على جذور التسريبات واستئصالها.
وعلاوة على البعد القيمي للظاهرة، فإن تسريبات الامتحانات تكشف عن تحول محتمل للغش من سلوك فردي معزول إلى “اقتصاد ريعي مستتر” تنتعش حوله شبكات تستثمر في الثغرات التدبيرية لتحقيق عوائد مالية غير مشروعة، مستغلةً حاجة الأسر وتهافتها على النقطة بقطع النظر عن الاستحقاق.
إن هذا “الاتجار في مستقبل الأجيال” يفرض على الوزارة الوصية الانتقال من المعالجة الإدارية الكلاسيكية إلى ثورة في “الحكامة الرقمية”؛ فالتصدي لسوق التسريبات لن يكتمل دون تأمين السلسلة اللوجستيكية للامتحانات عبر أنظمة مشفرة تضمن تتبع الأثر وتقليص التدخل البشري في أدنى مستوياته.
إن رقمنة مسار الامتحان، بدءاً من الصياغة وصولاً إلى الطبع والتوزيع، ليست مجرد ترف تقني، بل هي ضرورة قصوى لتجفيف منابع “المضاربة بأسئلة الاختبارات” وقطع الطريق على “الوسطاء”، لتكون التكنولوجيا بذلك درعاً واقياً يسند المقاربة التوعوية ويحمي تكافؤ الفرص من منطق البيع والشراء.
الامتحان ليس ورقة أسئلة؛ إنه عقد ثقة بين المدرسة والمجتمع. وإذا انهار عقد الثقة، فلن ينفعنا إصلاح المناهج ولا تغيير المسؤولين.
