بقلم ذ. المصطفى أعسو
تساءل أحد الفضلاء قائلا:
(ما رأيكم في من يفكر في مغادرة هذا “الفضاء الأزرق” الذي لا لون له، حيث “جِدُّ القول” فيه يتيم غريب مقهور بالجهل والغوغاء، وحيث “هزلُ العقل” و”لغو النفس” لهما فيه بنين وحفدة، وأصهار وعمومة وخؤولة وأُخُوَّة، يغتصبون “إرث العلم والمعرفة” بجراءة، وينتهكون “عرض الأخلاق” فيهما بوقاحة؟).
فجاءت الإجابات مفعمة بروح الصمود والمراغمة في ثغر الكلمة على ضآلة من يقرأ، وندرة من يعجب أو يعلق.
كتب أحدهم يقول:” لا نريدك أن تغادر….بل قاوم …أنت صوت الحق في زمن التفاهة … إشاراتك تدفئ القلوب و تنير العقول…لطفا لا تغادر”.
وكتب آخر مظهرا تأسفه وحسرته: “حين تركنا الصف الأول فرح الآخرون”.
وذكر ثالث، مستنهضا همته لكيلا تنكسر، بقول الله عز وجل : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.
وأجاب رابع مستلهما حكمة القرآن : “لا يهم أن نكون قلة قليلة، بل أن نكون على الحق ونصدع بالحق وندعو للحق، والحق ناصرنا و ولينا”.
وحذر خامس من مآلات المغادرة قائلا: “لا تغادر مغادرة ذي النون لقومه ادعوا والله المتم وعلى نية القصد تجزى أستاذي الكريم”.
واستدل بقوله تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن الن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}
وعلل سادس ندرة التعليق بقوله: ” كثير من العقلاء يقرؤون دون ترك أثر لأسباب متعددة ومعلومة و بالتالي هو سبب كاف للكتابة والبقاء”.
ووصى آخر : ” بل اثبت على ما أنت عليه كما ثبت الأولون ولا تترك المكان فارغا لأهل الباطل. ثبتنا الله وإياك على ما يحبه ويرضاه”
وأثر فيَّ شخص كتب معلقا في نبرة أسى : “وما مآل من تغادرهم ممن يقرؤون لكم، أجلّ ما تكتبون من منشورات سامقة؟”
وقال العاشر مذكرا :”هو [ أي الفايس] فرصة لمن له رؤية ومنهج ليتقاسمه مع متابعيه ومحبيه، بعد أن أغلقت نوافذ أخرى”.
وأعجبني من كتب يقول: “غير أن التفكير في مغادرة هذا “الفضاء الأزرق” ليس فرارًا، بل وقفةُ تأملٍ في ميدانٍ اختلطت فيه الأصوات، وغلب فيه الصخب على البيان. فهي معركةٌ لا شك في ذلك: معركةُ وعيٍ ضد الجهل، وبصيرةٍ ضد الغوغاء. ومع هذا، فليُعلَم أن قاموس أهل الحق لا يعرف الاستسلام ولا التولّي، وإنما يعرف الثبات على الحق، والدعوة إليه، والصبر عليه ما بقي في العروق نبض، وفي الصدور نَفَس. فامضوا على هذا العهد، واجعلوا شعاركم كلمةَ الحق الخالدة التي كان يختم بها الحكماء والعقلاء مقالاتهم: “والحقُّ أبلج، والباطلُ لجلج، واللهُ غالبٌ على أمره”.، فاثبتوا؛ فإن الطريق وإن طال، فالعاقبة للمتقين، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.”
وأعجبني أيضا الذي قال ناصحا : ” لا تغادر. كل كلمة طيبة تكتبها لها أثرها الطيب، لعلك لا تدري ماذا تفعل كلماتك حين تستقر في قلوب الناس و عقولهم. جازاك الله الخير الجزيل و الصبر الجميل”.
ولنختم بتعليق نفيس لأحد القراء، حيث يقول مستعيرا مصطلحات أهل الاقتصاد: “أستاذنا المفضال العزيز. يقولون في عالم الاقتصاد النقد الصحيح يطرد الردىء، فاصمد في ثغرك، ولا تغادر، فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من غيره، ومعذرة سيدي.”
وختم بالدعاء: “ثبتكم الله، أنتم وكل المصلحين، على الطريق المستقيم وزادكم إيمانا وعملا صالحا وتوفيقا وسدادا”
وأنا أقول: آمين.




