بقلم ذ. المصطفى أعسو
لم يكن شيء أحب إلي، وأنا يومئذ فتى صغير، من مشاركة أصحابي فيما يتعاطون من اللهو المباح، ولكني لسبب خاص زهدتُ في كرة القدم، وكنت بها شغوفا، وما حملني على العزوف عن لعبها سوى أني كلما خضت مع صِحابي فيها سمعتُ من مسترذل الكلام، ووجدت منهم من سماجة الخلق، وفظاظة القول ما بغَّضَها إلي، فكنت أجلس منهم مجلسا قصيا، أُتابع أطوار لهوهم دون أن يصلني من جارح كلامهم شئ، وساعدني على هذا العزوف تنشئتي الدينية، وولعي بالكتاب.
هذا عن اللعب، أما متابعة المباريات فما كنت أحفل بها، ولم يكن شيء أعجب إلى من هؤلاء الذين تغص بهم المقاهي عاكفين على مشاهدة مختلف مباريات الفرق الرياضية محليها ودوليها، يُسمع ضجيجهم وشغبهم من بعيد. وكتبتُ عنهم ذات مرة مستغربا:
الأرض اهتزت والسماء
وما السرُّ أيها النبهاء؟
كرةٌ من جلدٍ تَوَسَّطَهُ هواءُ
تناقلها بالرّكل النّطحاءُ
وسامها بالضربِ الخصماءُ
وكم رأيتُ وقد حل المساء
هتافاً ضجّ به الفضاءُ
أو حزناً كأنما حل بلاءُ
وتصرمت السنون، ولم يتغير موقفي، ولكني كنتُ متى سمعت بمشاركة منتخبنا في منافسات دولية استهواني ما يستهوي الناس، وربما خففتُ إلى الشاشات العمومية، فيستخفني الطرب، لمشاهدة ما في اللعب من روعة الانسجام، وفنون الاستبسال، وآثار التدريب الطويل، وقد شاركت في ندوة حول الدروس المستفادة من كأس العالم التي انعقدت في قطر، وكان للمنتخب المغربي فيها حضور مشرف قرت به عيون المغاربة وكثير من الأشقاء على حد سواء.
غير أني دُهشت هذه السنة، وأنا أرى المآل الذي صارت إليه دورة كأس أفريقيا، وكيف غدت دول شقيقة على حرد تهيج الفتنة، وتثير نقع الخصومة، وتجرد ألسنة حدادا مَرَدت على كفران النعمة، وجحد المعروف، ورأيت كيف التقى اللؤم مع الخبث حتى ضاعت بهجة الرياضة بين ضجيج المكر الكروي.
كنت أخشى أن تنتكس أحوال الفرجة إذا انهزم فريقنا الوطني في آخر مباراة له، ولكن يشهد الله أن الموطنين وإن أضاعوا حُلما فإنهم لم يضيعوا حِلما، بل انصرفوا وقد تقرحت أفئدتهم في هدوء كبرت معهُ صورتهم، ولسان حالهم: لئن خسرنا المباراة، فإننا لم نخسر التنظيم، وكفى الله شعوبنا احترابا، وآن لنا بعد أن سرقت منا الكرة وقتا وجهدا أن ننصرف إلى البناء والعمل، فما أكثر ما ينتظرنا من مهام جسام، وكما نجحنا في هذه، فسننجح في تلك إن صدقت العزائم، وتوفرت النيات، وما أصدق ما قال الشاعر:
والمرء لا يسمو سوى إن عزم… واستنهضته للمعالي الهمم
كالطير هل يطيــــــر إلا إذا…. مــَـــــــدَّ الجنـــــــاحين معا واعتزم




