بقلم: نبيل شيخي
لم تعد أزمة الأخلاقيات في العديد من الممارسات والمنظومات السياسية المعاصرة تقتصر على انتشار الفساد بوصفه عطباً وظيفياً، أو مجرد انحراف فردي عن القواعد القانونية؛ بل إن الإشكال الأعمق بات يتمثل اليوم في تحول خطير نحو ما يمكن تسميته بـ “تعميم الشبهة والانحراف” أو ما يوصف حسب بعض أدبيات الاجتماع السياسي، في البيئات الأكثر فسادا، ب”مأسسة الفساد”، حيث يُعاد تعريف القيم والمعايير الناظمة للمجال العام.
وضمن هذا السياق يصبح المجتمع إزاء منطق لا يهدف فقط إلى التستر على الفساد، بل يسعى إلى تفكيك مفهوم النزاهة ذاته، وتحويله من قيمة أخلاقية مؤسِّسة إلى عنصر “نشاز” يهدد تماسك شبكات المصالح، ويعطل آليات التواطؤ الضمني التي تضمن استمرارية المنظومات الريعية.
ويكشف التحليل الموضوعي لهذه الدينامية عن استراتيجية ممنهجة يمكن توصيفها بـ “التعميم القسري للشبهة”. فهذه الآلية لا تعمل عبر تبرئة المتورطين في قضايا الفساد المالي، بل تشتغل من خلال توسيع دائرة الاتهام لتشمل الفاعلين النزهاء أيضاً. ويتم ذلك عبر تمديدٍ متعسف – وكيدي في كثير من الأحيان – لمفهوم الفساد، لطمس الحدود الفاصلة بين الخطأ الإداري الناتج عن الاجتهاد في التدبير، وبين الجريمة المالية القائمة على نية الاستحواذ والاغتناء غير المشروع. والنتيجة المقصودة هي خلق حالة من “الالتباس المعياري”، يقف معها الرأي العام عاجزاً عن التمييز بين درجات المسؤولية وطبيعة الأفعال، تكريساً لقناعة جمعية مفادها أن الفساد هو الحالة الأصلية للممارسة السياسية، وأن الجميع متورط بدرجات متفاوتة.
في هذا السياق ايضا، يغدو وجود مسؤول أو فصيل سياسي ملتزم بقواعد النزاهة والشفافية “معضلة بنيوية” بالنسبة لمنظومة الفساد. فخطورة هذا النموذج لا تكمن في معارضته المباشرة للفاسدين، بل في كونه يشكل “مرجعية قياس” تفضح -بمجرد المقارنة- حجم الاختلالات القائمة لدى الآخرين. لذلك، فإن استهداف هذا النموذج، أو محاولة توريطه وتشويه سمعته التدبيرية، لا يُعد سلوكاً انتقامياً شخصياً بقدر ما هو “دفاع وظيفي” عن المنظومة القائمة، يهدف إلى إبطال مفعول المقارنة، وإثبات استحالة وجود بديل أخلاقي، بما يمنح الفساد شكلاً من الشرعية الواقعية.
وتفضي هذه الهندسة السياسية إلى تداعيات خطيرة على مستوى الثقافة السياسية والمجتمعية؛ إذ تسود حالة من “العدمية السياسية”، يترسخ معها لدى النخب والكفاءات وعيٌ بأن تكلفة الانخراط النزيه في الشأن العام تفوق بكثير تكلفة الصمت أو التكيف مع منظومة الفساد. ويؤدي هذا المناخ إلى ما يعرف في الاقتصاد السياسي بـ “الانتخاب العكسي” (Adverse Selection)، حيث تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة، فتنسحب الكفاءات النظيفة خوفاً من استهداف السمعة، ويُملأ الفراغ بنخب انتهازية قادرة على التعايش مع قواعد اللعبة الفاسدة.
على أن الخطورة الاستراتيجية الأعمق لهذه الظاهرة تكمن في ضرب “رأسمال الثقة” داخل المؤسسات. فالدولة لا تستمد شرعيتها من القوانين والمساطر وحدها، بل من ثقة المجتمع في نزاهة القائمين على تدبير الشأن العام. وحين تُدمَّر هذه الثقة عبر تعميم الاتهامات ومساواة الجميع في المسؤولية الأخلاقية والجنائية، يتآكل الرابط الاجتماعي ويتصدع العقد السياسي، ليصبح المجتمع أكثر قابلية لتقبل الفساد باعتباره قدراً حتمياً لا مفر منه.
ختاماً، إن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تظل حبيسة المقاربة القانونية الصرفة، بل تستدعي وعياً سياسياً ومجتمعياً بضرورة حماية النزاهة الأخلاقية وتحصينها باعتبارها رصيدا لازما وضروريا لنهوض وتحرر واستقرار أي مجتمع. فالمجتمعات التي تعجز عن التمييز بين الخطأ والجريمة، وبين النزاهة والفساد، أو بين المتابعات القضائية المؤسسة وتلك الكيدية، تحكم على مؤسساتها بالترهل، وتفقد قدرتها على الإصلاح، لتظل أسيرة حلقة مفرغة من الشك والجمود المؤسساتي المفضي، لا محالة، إلى التفكك والانحلال.




