بعد نحو عامين من الحادثة التي راح ضحيتها مهاجر مغربي في مدينة فياريجيو- الإيطالية، أصدرت المحكمة، أمس الخميس، حكمها في القضية التي توبعت فيها إيطالية بتهمة القتل العمد.
وأدانت المحكمة سيدة الأعمال الإيطالية البالغة من العمر 65 عاماً، وتدعى “سينزيا دال بينو”، بالسجن لمدة 18 عاماً، بعد أن دهست مغربياً بلا مأوى يُشتبه في أنه سرق حقيبتها.
وكانت قنصلية المغرب في إيطاليا قد أكدت أن الضحية اسمه “نور الدين نازيكي”، عمره 54 عاماً، ويقيم منذ نحو 20 عاما في إيطاليا، دون عنوان تابث وله سوابق جنائية.
وجرى التأكد رسمياً من هوية الضحية بعد مطابقة البيانات البيومترية من شرطة فياريجيو، وتلك الموجودة لدى السلطات المغربية في الدار البيضاء. ما مكن من إعادة جثمانه إلى المغرب.
وتعود تفاصيل الحادث إلى ليلة 8 سبتمبر 2024، حين تعرضت الإيطالية عقب مغادرتها مطعماً بعد عشاء مع أصدقائها، لعملية سرقة حقيبة اليد نفذها نازيكي.
وبحسب معطيات القضية، استقلت المتهمة سيارتها ذات الدفع الرباعي، ولاحقت نازيكي، قبل أن تصدمه أربع مرات متتالية.
وتوفي الضحية بعد فترة وجيزة متأثراً بإصاباته، فيما غادرت المتهمة المكان بعدما استعادت حقيبتها، من دون أن تطلب المساعدة أو تبلغ السلطات.
وقد وثقت كاميرات المراقبة الخاصة بمتاجر في الشارع، مجريات الحادث بالكامل.

وأظهرتقرير التشريح الطبي أن الوفاة نجمت عن تمزق الشريان الأورطي البطني، ما تسبب في نزيف داخلي حاد أودى بحياته.
وبعد جلسات المحاكمة التي انطلقت في في 24 سبتمبر الماضي، قضت محكمة الجنايات بإبقاء “دال بينو” رهن الإقامة الجبرية، وهو الإجراء الذي تخضع منذ اليوم التالي لاعتقالها.
وفي حال أصبح الحكم نهائياً بعد استنفاد مساطر الطعن، سيتم احتساب المدة التي قضتها المتهمة تحت الإقامة الجبرية ضمن مدة العقوبة المحكوم بها.
و لم تحدد المحكم مبلغ التعويض المستحق للأطراف المدنية بعد، لكنها أمرت المتهمة بدفع بأداء المصاريف القانونية فقط، والتي بلغت 26 ألف يورو.
وخلال المرافعات السابقة، التمس الادعاء العام الحكم بـ السجن المؤبد، بينما قال الدفاع إن ما وقع يدخل في إطار تجاوز الدفاع عن النفس بشكل خاطئ، أو بدلا من ذلك تجاوز متعمد للدفاع عن النفس.
- مقتل نازيكي في فياريجيو
بعد نشر تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة في الشارع، ظهر بوضوح مشهد صدم السيارة للضحية، نور الدين نازيكي، عدة مرات متتالية.
وكشفت التسجيلات أن المتهمة دهست الضحية 4 مرات بشكل متعمد، قبل أن تترجل من سيارتها لاستعادة حقيبتها، ثم تغادر المكان، تاركة الضحية مضرجاً في دمائه على الرصيف.
وأثارت القضية موجة واسعة من ردود الفعل السياسية والاجتماعية في إيطاليا، حيث وصف أسقف لوكا الحادثة بأنها “ليست دفاعاً شرعياً عن النفس ولا تحقيقاً للعدالة”.
كما شهدت شوارع فياريجيو تظاهرة شارك فيها نحو 700 شخص، طالبوا بتحقيق العدالة وتشديد العقوبات الرادعة لمواجهة مثل هذه الجرائم.
- الخبرة والعدالة التصالحية
وخلال جلسات المحاكمة، أمرت المحكمة بإعداد تقرير نفسي حول المتهمة سينزيا دال بينو، أنجزه اختصاصي في طب الأعصاب وطبيب نفسي.
وأفادت نتائج التقرير، أن المتهمة لم تكن تعاني من أي اضطراب عقلي أو قصور في الإدراك وقت وقوع الحادثة، رغم معاناتها من انقطاع التنفس أثناء النوم وتناولها بعض الأدوية.
وخلال استجوابها، صرحت دال بينو بأنها لاحقت نازيكي بهدف إيقافه واستعادة حقيبتها فقط، مؤكدة أنها غادرت المكان وهي تعتقد أنه لا يزال على قيد الحياة.
وفي اليوم التالي للحادثة، أوقفتها الشرطة، بعدما أفادت أمام المحكمة بأنها توجهت عقب الواقعة إلى الكنيسة للصلاة.
وبالتوازي مع المسار الجنائي للقضية، فُتح مسار للعدالة التصالحية، قد يتيح، في حال التوصل إلى اتفاق بين هيئة دفاع الطرف المدني ودفاع المتهمة، تخفيفا للحكم عند تحديد العقوبة النهائية.
- محامي عائلة الضحية : “سنستأنف”
وأعلنت الأطراف المدنية المشاركة في القضية عزمها استئناف الحكم الصادر بحق سينزيا دال بينو.
وقال إنريكو كاربوني، محامي عائلة الضحية: ” تم الأخذ بأطروحة الادعاء المتعلقة بجريمة القتل العمد، والتي أثبتت وجاهتها خلال المحاكمة”.
وأضاف أن المحكمة أقرت بتوافر الركن العمدي في الجريمة، غير أن الأطراف المدنية قررت الطعن في الحكم الصادر، معتبرة أن العقوبة لا تتناسب مع خطورة الأفعال المرتكبة.
- محامي الدفاع: “كنت أتوقع حلا مختلفا”
وقال محامي سينزيا دال بينو للصحفيين بعد صدور الحكم : “كنت أتوقع حلاً مختلفاً من حيث التأهيل القانوني ومدى العقوبة”، مرجحاً في الوقت ذاته عدم استئناف الحكم.
وأضاف: “كنت آمل في حل أخف وطأة، لكنه كان يمكن أن يكون أسوأ”.
وبخصوص وضع موكلته تحت الإقامة الجبرية بدل السجن، اكتفى المحامي بوصف القرار بأنه “قرار تقني مستقل”.
وفي ما يتعلق بمسار العدالة التصالحية الذي اقترحه الدفاع، أشار المحامي إلى أنه “قد بدأ، ومن المتوقع عقد أول اجتماع قريباً، في 22 من الشهر الجاري”.
- رواية المتهمة : “لم أرد قتله”
في ديسمبر 2025، قدمت دال بينو روايتها للوقائع في المحكمة.
عندما وصلت إلى السيارة – قالت المتهمة -، على بعد حوالي 50 مترا من النادي الذي قضيت فيه الأمسية، وضعت حقيبتي على المقعد الأمامي وأثناء إغلاق الزجاج ظهرهذا الرجل واقترب مني : في لحظة رأيت النهاية، واعتقدت أنه سيؤذيني”.
وأضافت ” بدافع الخوف، قررت ملاحقته، كان في حقيبتي كل شيء : وثائق، ساعة يد، ومذكرة تحتوي على جميع كلمات المرور الخاصة بالحسابات البنكية وصلاحيات مهمة. لم أرد أن يتمكن من الاحتفاظ بها”.
وقالت في قاعة المحكمة ” بدأ الرجل (نازيكي) يمشي باتجاه البحر قبل أن أصل إليه بسيارتي، توجهت نحوه في اتجاه الرصيف. لم أكن أريد قتله، بل فقط لأجعله يسقط لأمنعه: لم أدرك حتى أنني صدمته.
وتابعت ” ثم، بعد الصدمة الأولى، بدا لي أنه حاول النهوض، لم أظن أنني قتلته”.




