لا تزال الكتاتيب القرآنية تحافظ على حضورها في الحياة التربوية للأسر المغربية خلال العطلة الصيفية، مستقطبة أعداداً لافتة من الأطفال، في استمرار لتقليد تعليمي وثقافي متجذر في المجتمع، يجمع بين تحفيظ القرآن والتنشئة على القيم والانضباط.
ويرى متخصصون في الحقل الديني أن هذا الإقبال يعكس استمرار ثقة الأسر المغربية في الكتّاب باعتباره فضاءً للتربية الدينية واللغوية والقيمية، خصوصاً خلال فترة العطلة التي يبحث فيها الآباء عن أنشطة مفيدة لأبنائهم بعيداً عن الفراغ والاستعمال المفرط للشاشات.
21 ألف مستفيد بجهة الشرق
وكشف مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة الشرق، أن عدد المسجلين في الكتاتيب القرآنية بالجهة خلال الموسم الصيفي الحالي بلغ نحو 21 ألف مستفيد، معتبراً أن الرقم يعكس استمرار الحضور القوي للتعليم القرآني في المجتمع المغربي.
وأوضح بنحمزة، في تصريحات نقلتها صحيفة «هسبريس»، أن الإقبال لا يقتصر على الأسر المقيمة بالمغرب، بل يشمل أيضاً أبناء الجالية المغربية الذين يزورون المملكة خلال العطلة الصيفية.
وأشار إلى أن هذه الدينامية تشمل تنظيم دورات وأنشطة صيفية ذات طابع قرآني في مناطق مختلفة، معتبراً أن استمرار الإقبال يستدعي الاعتماد على المعطيات والإحصاءات الميدانية لفهم حجم الظاهرة بعيداً عن الانطباعات العامة.
وأكد أن الثقافة القرآنية ما تزال متجذرة في المجتمع المغربي، رغم التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها الأسر المغربية خلال العقود الأخيرة.
أكثر من مجرد تحفيظ للقرآن
من جانبه، يرى خالد التوزاني، الباحث في الشأن الديني ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، أن استمرار الإقبال على الكتاتيب خلال الصيف يعكس رغبة الأسر في استثمار العطلة في أنشطة تربوية ذات مضمون ديني وقيمي.
وقال لنفس الصحيفة إن الأسر تبحث، بعد أشهر الدراسة والامتحانات، عن فضاءات تساعد أبناءها على استثمار وقت الفراغ، بعيداً عن الشاشات والاستخدام المكثف للتكنولوجيا.
ولا يختزل التوزاني وظيفة الكتّاب في حفظ القرآن، بل يعتبره فضاءً للتنشئة على مجموعة من السلوكيات والقيم، من بينها الانضباط واحترام المدرس والمصحف، والالتزام بنظام الحلقة، إلى جانب تعزيز القدرات اللغوية من خلال التعامل مع العربية الفصحى.
وتستمر في عدد من الكتاتيب الممارسات التقليدية المرتبطة بالتعليم القرآني المغربي، ومن بينها نظام “اللوحة” و”المحو”، فيما ظهرت في المدن، إلى جانب الكتاتيب التقليدية، مبادرات صيفية تنظمها جمعيات وتجمع بين تحفيظ القرآن والأنشطة التربوية والألعاب الهادفة.
بين التقليد ومتطلبات العصر
ويرى المتخصصون الذين تحدثت إليهم «هسبريس» أن قوة حضور الكتاتيب لا ترتبط فقط بالبعد الديني، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير فضاء اجتماعي يجمع أطفالاً من خلفيات مختلفة داخل الحي نفسه، وهو ما يمكن أن يعزز قيم التضامن والتعايش والانتماء إلى الجماعة.
ويذهب التوزاني إلى أن الطفل الذي يقضي جزءاً من عطلته في الكتّاب يمكن أن يستفيد، إلى جانب حفظ القرآن، من تطوير رصيده اللغوي وتعزيز الذاكرة والانضباط، فضلاً عن اكتساب عادات اجتماعية وتربوية.
غير أن الحفاظ على هذا التقليد يطرح في المقابل سؤال تطوير الكتاتيب وتأهيلها لمواكبة حاجيات الطفل المعاصر.
وفي هذا السياق، دعا بنحمزة إلى مواكبة هذه المؤسسات، فيما يرى المتخصصون أن تطويرها يمكن أن يمر عبر تكوين المؤطرين، وتحسين الفضاءات، وتطوير أساليب التأطير، وفتح جسور مع المنظومة التربوية الحديثة، دون فقدان الخصوصية التي منحت الكتّاب مكانته التاريخية في المجتمع المغربي.
وبينما تتغير علاقة الأطفال بالتعلم وتتسع مساحة التكنولوجيا والشاشات في حياتهم اليومية، يبدو أن الكتّاب المغربي لا يزال يحتفظ بموقعه داخل الخيارات التربوية للأسر، ليس باعتباره فضاءً لحفظ القرآن فحسب، وإنما بوصفه جزءاً من الذاكرة الثقافية والتربوية للمجتمع المغربي.




