سجل المغرب خلال 2025 قفزة لافتة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، التي ارتفعت بنحو 91 في المائة لتبلغ 3.34 مليارات دولار، مقابل 1.75 مليار دولار في 2024، في وقت شهدت فيه القارة الأفريقية تراجعاً في إجمالي الاستثمارات الوافدة. ويعكس هذا الأداء تحسن جاذبية المملكة لدى المستثمرين، خصوصاً في القطاعات الصناعية والطاقة واللوجستيك، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل هذه التدفقات إلى قيمة مضافة محلية وتنمية مستدامة؟
وفق تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المغرب من 1.75 مليار دولار في 2024 إلى 3.34 مليارات دولار في 2025، أي بزيادة تقارب 91 في المائة.
وتأتي هذه الزيادة في سياق أفريقي مختلف، إذ تراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى القارة إلى نحو 70 مليار دولار في 2025، مقابل 94 مليار دولار في العام السابق.
ورغم هذا التراجع، ظل المستوى المسجل في أفريقيا أعلى بنحو الثلث من متوسط التدفقات خلال العقود الماضية، ما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين بالقارة، وإن كان توزيع هذه الاستثمارات لا يزال متفاوتاً بين الدول والقطاعات.
المغرب يستفيد من التحول الصناعي
يبرز المغرب ضمن الاقتصادات الأفريقية التي تستقطب استثمارات مرتبطة بالصناعة والهيدروجين والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية.
ويرتبط هذا الاتجاه، بحسب التقرير، بالتحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، وسعي الشركات إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقليص مخاطر الاعتماد على مراكز صناعية محددة.
وفي هذا السياق، تمنح البنية التحتية المغربية وموقع المملكة الجغرافي، الذي يربط أوروبا بأفريقيا ويتيح الوصول إلى أسواق متعددة، عناصر جذب إضافية أمام المستثمرين الباحثين عن مواقع إنتاج قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة الدولية.
كما يشير التقرير إلى أن قيمة مشاريع الاستثمار الجديدة في أفريقيا تراجعت بنحو الثلث، مقابل ارتفاع عدد المشاريع المعلنة، وهو ما يعكس اتجاهاً نحو مشاريع أصغر حجماً واتساع قاعدة المستثمرين.
شمال أفريقيا في الصدارة
واصلت شمال أفريقيا تصدرها للمناطق الفرعية الأفريقية المستقبلة للاستثمار، مدفوعة أساساً بالأداء المصري.
واستقطبت مصر نحو 15 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لتظل أكبر مستقبِل في القارة.
وفي المقابل، استقبلت أقل البلدان نمواً في أفريقيا نحو 33 مليار دولار، غير أن التقرير يلفت إلى استمرار تركّز التدفقات في عدد محدود من الاقتصادات والقطاعات.
وهذا التركّز يكشف أن القارة، رغم تحسن قدرتها على جذب رؤوس الأموال، لا تزال تواجه تحدي توزيع الاستثمار والاستفادة منه بصورة أوسع.
جذب الاستثمار ليس نهاية الطريق
ويركز «أونكتاد» على نقطة أساسية تتجاوز حجم التدفقات المالية نفسها: نجاح الاستثمار لا يقاس فقط بما يدخل من أموال، وإنما بما يتركه داخل الاقتصاد.
فالتحدي الحقيقي أمام الاقتصادات الأفريقية يتمثل في تحويل الاستثمارات الأجنبية إلى تصنيع محلي، وفرص عمل، ونقل للتكنولوجيا، وتطوير للمهارات، وتنويع اقتصادي.
ويتطلب ذلك بنية تحتية موثوقة في مجالي الطاقة والنقل، وقاعدة من الموردين المحليين القادرين على الاندماج في سلاسل الإنتاج، فضلاً عن توفير الكفاءات المؤهلة وتطوير القدرات الصناعية.
كما تبرز أهمية تحسين إعداد المشاريع، وتوفير آليات مناسبة لتقاسم المخاطر، وربط الاستثمارات بالممرات التجارية والأسواق الإقليمية والأوسع.
الطاقة والمعادن والبنية التحتية في قلب المنافسة
تشير الاتجاهات التي يرصدها التقرير إلى أن الطاقة والمعادن الحيوية والبنية التحتية ستظل من أبرز محركات الاستثمار في أفريقيا خلال السنوات المقبلة.
ويمنح هذا التحول المغرب فرصاً إضافية بالنظر إلى تطور استثماراته في الطاقات المتجددة، والصناعات المرتبطة بالسيارات الكهربائية والبطاريات، إضافة إلى موقعه في سلاسل الإمداد اللوجستية.
لكن الاستفادة من هذه الفرص ستتوقف على قدرة الاقتصاد الوطني على رفع نسبة القيمة المضافة التي تنتج محلياً، وتوسيع شبكة المقاولات المغربية المرتبطة بالمشاريع الكبرى، وتحويل الاستثمار الأجنبي إلى رافعة لنمو النسيج الصناعي الوطني.
انتعاش الاستثمار العالمي
وعلى المستوى العالمي، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 6 في المائة خلال 2025 إلى قرابة 1.6 تريليون دولار، منهياً عامين متتاليين من التراجع.
وحصلت الاقتصادات المتقدمة على نحو 723 مليار دولار، بزيادة بلغت 11 في المائة، بينما استقطبت الاقتصادات النامية حوالي 901 مليار دولار، بزيادة نسبتها 2 في المائة.
واستحوذت الاقتصادات ذات الدخل المرتفع على الجزء الأكبر من الزيادة العالمية، في حين ظلت الاستثمارات مركزة بدرجة كبيرة جغرافياً؛ إذ استقطبت أكبر 20 دولة مستقبلة أكثر من 80 في المائة من التدفقات العالمية.
وتصدرت الولايات المتحدة قائمة الدول المستقبلة بنحو 277 مليار دولار، كما كانت أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي، تليها اليابان والصين، بينما استحوذت أكبر خمسة اقتصادات مصدرة على نصف التدفقات الخارجة عالمياً.
الرهان المغربي: من التدفق المالي إلى الأثر الاقتصادي
تمنح قفزة الاستثمار الأجنبي في المغرب خلال 2025 مؤشراً إيجابياً على جاذبية المملكة، لكنها لا ينبغي أن تختزل في حجم الأموال المتدفقة وحده.
فالمعيار الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة سيكون قدرة المغرب على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى وظائف وكفاءات وتكنولوجيا ومقاولات وطنية قادرة على المنافسة.
وبهذا المعنى، فإن ارتفاع الاستثمارات بنسبة 91 في المائة يمثل فرصة اقتصادية مهمة، لكنه في الوقت نفسه اختبار لقدرة النموذج الصناعي المغربي على تعظيم العائد المحلي من رأس المال العالمي.





