في قطاع غزة، لم تعد الخيمة مجرد مأوى مؤقت ينتظر أصحابه العودة إلى منازلهم، بل تحولت بالنسبة إلى مئات الآلاف من النازحين إلى عنوان طويل الأمد لأزمة سكنية وإنسانية فرضتها الحرب وتدمير أعداد كبيرة من المساكن.
وتشير معطيات نشرتها الجمعية المغربية لدعم الإعمار في فلسطين إلى أن نحو 196 ألفاً و287 أسرة، تضم أكثر من 867 ألف شخص، تعيش في خيام بدائية ومتهالكة تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السكن الآمن والكريم.
وتزداد هشاشة هذه الظروف بالنسبة إلى الفئات الأكثر احتياجاً للحماية، إذ تضم هذه التجمعات، وفق المعطيات نفسها، نحو 46 ألفاً من كبار السن، و23 ألف أرملة، ونحو 60 ألف يتيم، وأكثر من 15 ألف شخص من ذوي الإعاقة.
من حل طارئ إلى مأوى مفتوح على المعاناة
صُممت الخيام في الأصل لتوفير مأوى سريع للنازحين خلال فترات الطوارئ، قبل أن يتمكنوا من العودة إلى مساكنهم أو الانتقال إلى مساكن أكثر استقراراً.
لكن استمرار الأزمة في غزة أطال أمد النزوح، وحوّل هذا الحل المؤقت إلى واقع معيشي ممتد، في ظل تضرر المساكن والحاجة الكبيرة إلى إعادة الإعمار.
ولا توفر الخيام التقليدية، خصوصاً عندما تكون بالية أو مهترئة، حماية كافية من الظروف الجوية، ما يجعل النازحين أكثر تعرضاً للبرد والأمطار ومخاطر العوامل البيئية، فضلاً عن الآثار النفسية والاجتماعية الناجمة عن العيش في ظروف غير مستقرة.
وتزداد هذه المخاطر خلال فصل الشتاء، عندما تتحول الأمطار والبرد إلى تحد إضافي للأسر التي لا تملك بديلاً عن الخيمة.
مبادرات مغربية لتوفير المأوى

في مواجهة هذه الحاجة، تتواصل مبادرات إغاثية مغربية تستهدف توفير الخيام للأسر النازحة في غزة، ومن بينها مشروع تجهيز وتوريد الخيام لفائدة النازحين في شمال القطاع الذي تنفذه الجمعية المغربية لدعم الإعمار في فلسطين.
وتستهدف هذه المبادرات الأسر التي فقدت مساكنها وأصبحت تعتمد على الخيام لتوفير الحد الأدنى من الحماية والستر.
ولا تقتصر أهمية الخيمة في هذه الظروف على توفير سقف فوق رؤوس النازحين، بل تمثل بالنسبة إلى الأسرة مساحة تحمي خصوصيتها وتوفر لها قدراً من الأمان، وتخفف من وطأة العيش في العراء.
وتوثق الجمعية جانباً من هذه الجهود ضمن حملتها التحسيسية حول الاحتياجات الإنسانية للنازحين، في محاولة لتسليط الضوء على الفجوة الكبيرة بين حجم الحاجة والإمكانات المتاحة لتوفير المأوى.
الحاجة تتجاوز الخيام
ورغم أهمية الخيام في الاستجابة العاجلة، فإن حجم الأزمة يجعلها جزءاً من حل مؤقت لا يمكن أن يعالج وحده المشكلة السكنية في القطاع.
وتدعو الجمعية إلى توفير وحدات إيواء مؤقتة أكثر ملاءمة، بما فيها الكرفانات، إلى جانب مواد العزل والخيام المقاومة للعوامل الجوية، بما يتيح للنازحين ظروفاً أكثر أماناً إلى حين تهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار.
وتكتسب هذه الاحتياجات أهمية خاصة بالنسبة إلى كبار السن والأيتام والأرامل والأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون صعوبات أكبر في التعامل مع ظروف النزوح والسكن غير الملائم.
المأوى جزء من الكرامة الإنسانية
تكشف أزمة الخيام في غزة أن المأوى لا يمثل حاجة مادية فقط، بل يرتبط مباشرة بكرامة الإنسان وسلامته وخصوصيته.
فبالنسبة إلى الأسرة التي فقدت منزلها، يمكن لخيمة مجهزة بشكل مناسب أن توفر حداً أدنى من الحماية في انتظار حل أكثر استقراراً. أما الخيمة المهترئة، فإنها قد تتحول إلى مصدر إضافي للخطر والمعاناة، خصوصاً مع سوء الأحوال الجوية وطول فترة النزوح.
ومن هنا، فإن دعم مشاريع توفير الخيام ومستلزمات الإيواء لا يمثل حلاً نهائياً للأزمة، لكنه يشكل استجابة إنسانية عاجلة لحاجة أساسية لا يمكن تأجيلها.
وتؤكد الجمعية أن اتساع حجم الاحتياجات يجعل استمرار المبادرات الإغاثية وتعزيزها أمراً ضرورياً للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأسر النازحة، في انتظار حلول أكثر استدامة تضع إعادة الإعمار وتوفير السكن الآمن في صدارة الأولويات.
بين خيمة اليوم وبيت الغد
تختصر الخيمة في غزة مفارقة الأزمة الإنسانية بأكملها: مأوى يفترض أن يكون مؤقتاً، لكنه أصبح بالنسبة إلى مئات الآلاف واقعاً مستمراً.
ولهذا، فإن توفير الخيام المقاومة للعوامل الجوية وتحسين ظروف الإيواء يمثلان ضرورة عاجلة، لكنهما لا يغنيان عن الهدف الأكبر: إعادة بناء المساكن التي دُمرت، وعودة الأسر إلى حياة مستقرة تحفظ لها أمنها وكرامتها.
وفي انتظار ذلك، تبقى كل مبادرة توفر مأوى أكثر أمناً لأسرة نازحة مساهمة مباشرة في تخفيف جانب من معاناة إنسانية واسعة، بينما تظل الحاجة في غزة أكبر من قدرة أي مبادرة منفردة على الاستجابة لها.





