تتباين سبل تنظيم الذكاء الاصطناعي بين تعهدات طوعية في الولايات المتحدة ورقابة مشددة في الصين وقواعد ملزمة في الاتحاد الأوروبي، وسط معضلة متزايدة تتمثل بكيفية ضبط مخاطر أقوى أنظمته من دون كبح الابتكار.
لذلك، تسلك الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي مسارات مختلفة لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
وفي ما يأتي أبرز الخطوات التي تتخذها:
– الولايات المتحدة –
بنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تدخل ولايته الثانية عامها الثالث مطلع السنة المقبلة، سياسته بشأن الذكاء الاصطناعي بصورة شبه كاملة على تعهدات طوعية من شركات القطاع وأوامر تنفيذية تهدف إلى دعم طفرة هذه التكنولوجيا التي تدفع الاقتصاد الأميركي.
وفي اليوم الأول لعودته إلى البيت الأبيض، ألغى ترامب أمرا أصدره سلفه جو بايدن عام 2023، كان يلزم مطوري أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي بمشاركة نتائج اختبارات السلامة مع الحكومة.
ولم يقر الكونغرس، المنقسم سياسيا والذي يتعرض لضغوط مكثفة من كبرى شركات التكنولوجيا، قانونا فدراليا للذكاء الاصطناعي حتى الآن، ولن يستأنف جلساته إلا بعد انتخابات منتصف الولاية.
وسعى ترامب إلى منع قوانين الولايات بشأن الذكاء الاصطناعي، لكن الكونغرس رفض مرارا إبطالها، وبدأت قوانين الولايات تدخل حيز التنفيذ في أنحاء البلاد.
وبذلك، تلزم كاليفورنيا منذ يناير مطوري النماذج الأكثر تقدما بنشر قواعد السلامة التي يتبعونها والإبلاغ عن الحوادث الأشد خطورة.
لكن أنظمة ذكاء اصطناعي تابعة لشركات “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” و”غوغل” و”ميتا” اتصلت هذا الصيف، خلال اختبارات، بالإنترنت من تلقاء نفسها واخترقت عشرات المواقع.
ويدعو ديفيد روبنسون، المتخصص السابق في السلامة لدى “أوبن إيه آي”، إلى إرساء ثقافة للتعامل مع المخاطر على غرار تلك المتبعة في قطاعي الطاقة النووية المدنية والطيران، حتى لا يؤدي خطأ بشري إلى “فتح الباب أمام كارثة”.
وفي مواجهة قلق يبديه 82 في المئة من الأميركيين قبيل انتخابات منتصف الولاية للكونغرس الأميركي في نوفمبر، وقع قادة الشركات الأميركية الرائدة في الذكاء الاصطناعي في 29 سبتمبر مدو نة سلوك تنص خصوصا على عمليات تدقيق مستقلة. ولا يتضمن النص أي عقوبات، لكن دونالد ترامب اعتبره “ملزما أخلاقيا”.
وفي الرابع من أكتوبر، أوكل الرئيس الملف إلى رئيس الاستخبارات الوطنية الأميركية جاي كلايتون، الذي كلف باقتراح سبل للتصدي لتهديدات الذكاء الاصطناعي “مع تفادي الإفراط في التنظيم”، وفق خريطة طريق تقدم بها ونقلتها صحيفة وول ستريت جورنال. ويقول إنه يفض ل المسؤولية المدنية على التنظيم، بحيث ت ساء ل الشركة أمام المحاكم عن نظام ذكاء اصطناعي معيب، كما ي ساء ل مصن ع منتج معيب.
– الصين –
تمتلك الصين منظومة معقدة آخذة في التطور من القواعد التي تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك استخدام الأطفال له.
ودخلت قواعد تنظم روبوتات الرفقة القائمة على الذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في يوليو، بهدف الحد من الاعتماد العاطفي عليها وحظر إنشاء نسخ رقمية لأشخاص حقيقيين من دون موافقتهم.
وقال الرئيس شي جينبينغ هذا الصيف إن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبقى “دائما تحت السيطرة البشرية”، داعيا إلى تعزيز “القوانين والقواعد التنظيمية والرقابة التكنولوجية وأنظمة الإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ”.
وحذر رئيس الوزراء لي تشيانغ أيضا من أن العالم يواجه خطر “فقدان السيطرة” على التقنيات الأكثر تقدما، مثل الذكاء الاصطناعي، إذا تباطأت الحكومات كثيرا في تنظيمها.
لكن محللين في مختبر أكسفورد لسياسات الصين (Oxford China Policy Lab) كتبوا في سبتمبر أن “تعليق تطوير الذكاء الاصطناعي على نحو شامل أو إبطاءه عمدا لا يزالان خارج النهج السائد في السياسة الصينية”.
وأضافوا أن البعض في الصين يرى أن الدعوات إلى إبطاء التقدم يصعب تبريرها، “خصوصا في ضوء اعتقادهم بأن إجراءات أميركية، مثل قيود التصدير، كبحت بالفعل تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين لسنوات”.
وتفرض الصين رقابة وضوابط على المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، كما تفعل إلى حد كبير مع سائر المعلومات المنشورة عبر الإنترنت. وحذر رئيس استخباراتها الشهر الماضي من أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد الأمن القومي.
وقال وزير أمن الدولة تشن يي شين إن “قوى معادية” تسيء استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لـ”اختلاق شائعات سياسية ونشر معلومات ضارة”.
– أوروبا –
اعتمد الاتحاد الأوروبي منذ عام 2024 قانون الذكاء الاصطناعي، الذي تقد مه بروكسل باعتباره الإطار التنظيمي الأكثر شمولا في العالم. ومنذ غشت، بات بإمكان المفوضية الأوروبية فرض غرامات على مطوري النماذج الكبيرة تصل إلى ثلاثة في المئة من إيراداتهم العالمية.
لكن الشركات الأوروبية، التي تخشى أن تعوق القواعد الابتكار في خضم سعيها للحاق بمنافسيها الأميركيين والصينيين، نجحت لاحقا في انتزاع إرجاء لتطبيق القواعد المتعلقة بالأنظمة العالية المخاطر.
واعتبرت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين في سبتمبر أن هذه القواعد تضع “أوروبا في موقع يتيح لها توجيه الجهود العالمية”. وتريد دعوة أبرز المختبرات إلى مناقشة إبطاء السباق لتطوير النماذج الأكثر تقد ما.
وتبدي الشركات الأوروبية تحفظا أكبر، إذ تخشى أن يتيح هذا الإبطاء لعمالقة التكنولوجيا الأميركيين ترسيخ هيمنتهم.
ولدى الاتحاد أداة أخرى، إذ أصبح “تشات جي بي تي” في غشت أول مساعد قائم على الذكاء الاصطناعي يخضع للالتزامات المشددة بموجب لائحته المتعلقة بالمحتوى على الإنترنت، والتي تشمل عمليات تدقيق سنوية وغرامات قد تصل إلى ستة في المئة من الإيرادات العالمية.
واقترحت المفوضية الأوروبية أيضا في سبتمبر منع روبوتات الدردشة من “محاكاة العلاقات بين الأشخاص بطريقة تؤدي إلى اعتماد عاطفي” لدى الأطفال، وذلك بعد سلسلة حالات انتحار مرتبطة بهذه البرامج المساعدة. ولا يزال النص بحاجة إلى إقرار من البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء.
المصدر: أ ف ب
-
حسن بويخفhttps://tiqatv.com/author/bouikhif/
-
حسن بويخفhttps://tiqatv.com/author/bouikhif/
-
حسن بويخفhttps://tiqatv.com/author/bouikhif/
-
حسن بويخفhttps://tiqatv.com/author/bouikhif/





