- تُبرز الدراسة دور العوامل المناخية والبيئية في انتشار عقرب «أندروكتونوس موريتانيكوس» في المغرب، خاصة في المناطق الشمالية والوسطى. وتحذر من احتمال توسع نطاق انتشاره مستقبلا في مختلف سيناريوهات تغير المناخ.
كشفت دراسة علمية حديثة أن عقرب «أندروكتونوس موريتانيكوس» قد يوسع موائله في العقود المقبلة بجميع أنحاء المغرب مع ارتفاع حرارة المناخ .

يعد «أندروكتونوس موريتانيكوس» أحد أخطر العقارب المستوطنة في المغرب، ويشكل قلقا صحيا عاما بسبب سموم قوية جدًا، وطبيعته المحبة للبشر.
ويتميز هذا النوع المعروف أيضاً باسم «العقرب ذو الذيل الدهني» بلون أسود داكن، وذيل سميك. ويعرف بانتشاره الواسع عبر المناطق الجافة وشبه الجافة.
وتتوقع الدراسة ارتفاع مساحة المواطن المناسبة لهذا النوع بنسبة تتراوح بين 26.99% و33.81% في الفترة الممتدة بين 2061 و2080، وفق سيناريوهات مناخية مختلفة.
ونُشرت الدراسة في مجلة »توكسكون« (Toxicon) ، بمشاركة باحثين من جامعة السلطان مولاي سليمان في بني ملال، مع باحثين من المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة في بني ملال وورزازات.
وتهدف إلى تحديد التوزيع الجغرافي الحالي والمستقبلي لهذا النوع من العقارب، ورصد تأثير العوامل المناخية والبيئية على انتشارها، بما يساعد على تطوير استراتيجيات الوقاية والمراقبة.
ويكتسي هذا البحث أهمية صحية بالنظر إلى خطورة العقرب المعني وارتفاع سمية سمه، فضلا عن وجوده في بيئات قريبة من التجمعات السكنية.
وتشير معطيات الدراسة إلى أن هذا النوع يرتبط بنحو 64.4% من حالات التسمم بالعقارب و58.6% من الوفيات الناجمة عنها في المغرب . وتحدث غالبا داخل المنازل والمناطق المجاورة، وتؤثر بشكل خاص على الأطفال دون سن 15 عاما.
- رطوبة التربة عامل انتشار رئيسي
واعتمد الباحثون على خوارزمية «MaxEnt» لنمذجة التوزيع الجغرافي للنوع، بالاستناد إلى سجلات رصد وجوده ومجموعة من المتغيرات البيئية تشمل درجة الحرارة، الأمطار، التربة، التضاريس، والوجود البشري.
واستند النموذج إلى 96 سجلا لوجود العقرب، جُمعت من مسوحات ميدانية أُجريت بين يونيو 2024 ويونيو 2025، مع بيانات من منشأة معلومات التنوع البيولوجي العالمية.
وأظهرت النتائج أن رطوبة التربة هي العامل الأكثر تأثيرا في تحديد المناطق الملائمة لانتشار العقرب، بمساهمة بلغت 53.9% في النموذج.
وجاء التساوي الحراري، وهو مقياس للاستقرار الحراري، في المرتبة الثانية بنسبة 20.9%، فيما ساهمت متغيرات مناخية أخرى بنسب أقل.
وتؤكد هذه النتائج أن توزيع العقرب لا يرتبط بدرجات الحرارة فقط، بل يتأثر أيضا بمستويات الرطوبة واستقرار الظروف المناخية. وتساعد هذه العوامل على تفسير الاختلافات الجغرافية في ملاءمة الموائل لانتشاره.
- 96 ألف كيلومتر مربع من الموائل الملائمة حاليا
وبحسب النموذج، تتركز المناطق الملائمة حاليا في شمال المغرب ووسطه، مع مستويات ملاءمة مرتفعة على امتداد الأطلس المتوسط والمناطق المجاورة.
في المقابل، تصنف أجزاء واسعة من المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية والشرقية ضمن المناطق الأقل ملاءمة لوجود هذا النوع.
وتبلغ المساحة الإجمالية للمناطق المصنفة ملائمة في الظروف الحالية نحو 96 ألفا و495 كيلومترا مربعا، وفق تقديرات الدراسة.
غير أن التوقعات المناخية للفترة بين 2061 و2080 تشير إلى توسع هذه المساحة في جميع السيناريوهات التي اعتمدها الباحثون، استنادا إلى ثلاثة نماذج مناخية عالمية.
- زيادة تصل إلى 33.81% في الفترة 2061-2080
في سيناريو الانبعاثات المنخفضة «SSP126»، يُتوقع أن ترتفع مساحة الموائل الملائمة إلى نحو 129 ألفا و121 كيلومترا مربعا، بزيادة قدرها 33.81% مقارنة بالوضع الحالي.
أما في السيناريو المتوسط «SSP245»، فتصل المساحة المتوقعة إلى نحو 124 ألفا و412 كيلومترا مربعا، بزيادة تبلغ 28.93%.
وفي سيناريو الانبعاثات المرتفعة «SSP585»، تقدر المساحة بنحو 122 ألفا و541 كيلومترا مربعا، بزيادة تصل إلى 26.99%.
وسجلت النماذج الثلاثة مكاسب في مساحة الموائل الملائمة، إذ تجاوزت المناطق التي يُتوقع أن تصبح مناسبة المناطق التي قد تفقد ملاءمتها.
وسُجل أكبر توسع في سيناريو الانبعاثات المنخفضة، بينما تراجعت نسبة الزيادة في السيناريوهين الآخرين.
وتعكس هذه التوقعات تغيرا محتملا في التوزيع الجغرافي للمناطق التي تتوافر فيها الظروف البيئية المناسبة للعقرب. لكنها لا تعني بالضرورة أن النوع سينتشر فعليا في جميع هذه المناطق، أو أن حالات التسمم سترتفع بالنسبة نفسها.
- تداعيات على الوقاية والصحة العامة
وتتيح الخرائط التي أعدها الباحثون تحديد المناطق التي قد تصبح أكثر ملاءمة لوجود العقرب، بما يساعد على توجيه برامج الرصد والمراقبة، وتعزيز استعداد المؤسسات الصحية للتعامل مع حالات التسمم.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في المناطق القروية، حيث قد يزيد العمل في الهواء الطلق من فرص التعرض للعقارب، بينما قد يحد بُعد المرافق الصحية من سرعة الحصول على العلاج.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن خرائط التوزيع تقيس الملاءمة البيئية للموائل، ولا تقدم تقديرا مباشرا لمخاطر التسمم. وتتأثر أيضا بكثافة السكان، وطبيعة الأنشطة البشرية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ومدى توفر الخدمات الصحية.
كما تظل التوقعات المستقبلية مرتبطة بهوامش من عدم اليقين، بالنظر إلى اختلاف السيناريوهات المناخية واحتمال تغير المتطلبات البيئية للنوع بمرور الوقت.
وتخلص الدراسة إلى أن تغير المناخ قد يعيد تشكيل نطاق انتشار «أندروكتونوس موريتانيكوس» في المغرب خلال العقود المقبلة. ما يجعل إدماج المعطيات المناخية والبيئية في خطط مراقبة العقارب والوقاية من التسمم أداة مهمة لدعم الصحة العامة.





