باريس تواجه تداعيات عنف احتجاجات غلاء المعيشة، فيما تتصاعد المواجهة السياسية قبل الانتخابات الرئاسية، ونتانياهو وترامب يستغلان الأحداث لربط الاضطرابات بالهجرة والتطرف الإسلامي.
أعلنت السلطات الفرنسية تشديد الإجراءات الأمنية استعداداً لتظاهرات جديدة مقررة السبت المقبل، عقب أعمال عنف ونهب واسعة شهدتها البلاد خلال احتجاجات السبت 17 أكتوبر، احتجاجاً على غلاء المعيشة، في أزمة تتجاوز تداعياتها الأمنية إلى مواجهة سياسية متصاعدة قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
واتهم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، جماعات من «اليسار المتطرف» بالتخطيط للتمرد، مؤكداً أن الانتشار الأمني خلال التظاهرات المقبلة سيكون «كثيفاً». وقال أمام الجمعية الوطنية إن الحكومة لن تسمح لمجموعات وصفها بالمتمردة بالتوجه نحو قصر الإليزيه ومقر رئاسة الحكومة في ماتينيون.
من جهته، أعلن وزير الداخلية لوران نونييز تعزيز الانتشار الأمني ومراجعة أساليب التدخل وحجم القوات المشاركة، مشيراً إلى أن مجموعات منظمة عملت، بحسب قوله، على تشتيت قوات الأمن بطريقة مخطط لها.
وتأتي هذه الإجراءات بعد إقرار لوكورنو بأن الانتشار الأمني خلال احتجاجات 17 أكتوبر لم يكن متحركاً بما يكفي، فيما تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون عن «إخفاقات» في إدارة الاحتجاجات. وأعلن نونييز تحمله المسؤولية عن أوجه القصور، بعدما عرض استقالته الأحد، لكن ماكرون رفضها.
حظر تجول وتوقيفات وتحقيق في أعمال العنف
وفي إطار التدابير الجديدة، فرضت الشرطة حظر تجول ليلياً في أجزاء من باريس، من بينها ساحة الجمهورية، كما حظرت التجمعات غير المصرح بها في محيط مؤسسات رسمية ومواقع حيوية، تشمل قصر الإليزيه والجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ وجادة الشانزليزيه ومحطات القطارات.
وامتدت القيود إلى أجزاء من العاصمة ومدن كبرى أخرى، وسط مراقبة أمنية شملت تحليق مروحية فوق مناطق من وسط باريس.
وأعلنت وزارة العدل الفرنسية وضع 2513 شخصاً قيد التوقيف الاحتياطي لدى الشرطة، وإيداع 123 شخصاً السجن. كما أُصيب متظاهرون بجروح خطيرة، من بينهم فتاة تبلغ 17 عاماً فقدت إحدى عينيها في مولوز، وشاب في السن نفسها بُترت يده إثر انفجار قنبلة في سانت إتيان.
وفي تطور مرتبط بأعمال العنف، أوقفت السلطات الثلاثاء رجلاً في قضية إحراق مقر بلدية ليموج، بعدما أفاد مصدر مطلع على الملف بأنه مدرج على قوائم الأشخاص الذين يُحتمل أن يمسوا بأمن الدولة، ومعروف بانتمائه إلى اليسار المتطرف. وأُسند التحقيق إلى الإدارة الفرعية لمكافحة الإرهاب في الشرطة.
واتفقت الكتل السياسية في الجمعية الوطنية على تشكيل لجنة تحقيق في أعمال العنف والتدابير التي اتخذتها السلطات لحفظ النظام.
مواجهة سياسية قبل الانتخابات الرئاسية
تتخذ الأزمة طابعاً سياسياً متزايداً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، في وقت تشير استطلاعات الرأي الواردة في تقرير وكالة فرانس برس إلى تقدم مرشحة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مارين لوبن بفارق كبير.
ويتهم حزب التجمع الوطني الحكومة بالعجز عن فرض النظام، كما يتهم حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي بالسعي إلى إشعال «حرب أهلية». وذهب رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه إلى طرح إمكانية حظر حزب فرنسا الأبية على خلفية أعمال العنف.
في المقابل، ينفي حزب فرنسا الأبية قيادته للاحتجاجات، مؤكداً أن الحركة الشعبية تقود نفسها بنفسها، ومحمّلاً الحكومة مسؤولية ما وصفه بعدم الكفاءة في إدارة عمليات حفظ النظام.
ولم تقتصر التحفظات على المعارضة اليسارية؛ إذ أبدت زعيمة حزب الخضر مارين تونديلييه تحفظات بشأن «الإجراءات الاستثنائية»، فيما حذر رئيس بلدية باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار من تحول حظر التجول إلى قاعدة دائمة.
ويرى المؤرخ المتخصص في الحركات الاجتماعية ستيفان سيرو أن أعمال العنف تعكس تراكم مشاعر الغضب المرتبطة بغلاء المعيشة وصعوبات الخدمات العامة والمناخ وقضايا أخرى، معتبراً أنها تجسد مشكلات مجتمع يزداد انقساماً.
نتانياهو وترامب يربطان الاضطرابات بالهجرة والإسلام
وبالتوازي مع الجدل الداخلي، امتدت الأزمة إلى السجال السياسي الدولي، بعدما ربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، في تصريحات الثلاثاء، الاضطرابات في فرنسا بما وصفه بـ«غزو الإسلام المتطرف».
وقال نتانياهو، في مقابلة مع القناة الفرنسية التابعة لشبكة «آي24 نيوز»، إن القادة الفرنسيين لم يستعدوا للاضطرابات في الوقت المناسب، مضيفاً أنهم «استسلموا ببساطة ورضخوا لغزو الإسلام المتطرف». ودعا فرنسا إلى «مقاومة» ما وصفه بالتطرف، مستحضراً رسالة قال إنه نقلها إلى ماكرون عقب هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر، محذراً فيها من وصول التهديدات إلى باريس.
وتأتي تصريحات نتانياهو في سياق توتر سياسي بين باريس وتل أبيب، بعدما كانت فرنسا من بين الدول الأوروبية التي اعترفت بالدولة الفلسطينية العام الماضي، وهو موقف أثار غضب إسرائيل.
كما استغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأحداث لربط الاضطرابات بالهجرة، داعياً فرنسا والدول الأوروبية إلى تشديد الرقابة على الحدود. وقال للصحافيين في واشنطن إن ما يحدث في فرنسا مرتبط بالهجرة، وليس بالمدارس أو عوامل أخرى.
وتتلاقى هذه التصريحات مع خطاب سياسي متداول في أوساط اليمين المتطرف الغربي، يربط بين الهجرة والإسلام والاضطرابات الأمنية. غير أن الوقائع الواردة بشأن الاحتجاجات الفرنسية تشير إلى أنها اندلعت على خلفية الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة، بينما تظل مسؤولية مختلف الأطراف عن أعمال العنف وملابساتها موضوعاً للتحقيق والجدل السياسي.
تحذير أممي من تصاعد التوترات
وعلى المستوى الأوروبي، دان المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، الثلاثاء، أعمال العنف التي رافقت تظاهرات شهدتها فرنسا ودول أوروبية أخرى، بينها ألبانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال، داعياً جميع الأطراف إلى تهدئة التوترات ومنع تجدد العنف.
وكانت صور المواجهات وإحراق المباني العامة وتخريبها قد انتشرت على نطاق دولي، ما دفع دولاً من بينها الولايات المتحدة والصين وألمانيا إلى إصدار إرشادات لرعاياها في فرنسا تدعوهم إلى توخي الحذر.
وتضع التطورات الحكومة الفرنسية أمام اختبار مزدوج: استعادة الأمن ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف، من جهة، وتجنب تحويل الأزمة الاجتماعية إلى مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة، من جهة أخرى، في ظل تصاعد الاستقطاب الداخلي وتوظيف الأحداث في الخطابات الانتخابية والدولية.





