أثار انتباهي عند ولوجي أحد مساجد مدينة تمارة قبل بضعة شهور، بُعَيْد رفع أذان صلاة المغرب، وجودُ شاشة قريبة من محراب الإمام، وتبث عدَّادا تنازليا من المفترض أن يلج الإمام المحراب عند وصوله للصفر لإمامة صلاة المغرب، إلا أن الذي وقع أن العداد بلغ الصفر بل تجاوزه بقرابة دقيقتين قبل أن تقام الصلاة.
وقريب من هذه الحالة، حالة أحد مساجد مدينة فاس المُثْبَتَةُ به أيضا شاشة لعرض العداد التنازلي لإقامة الصلاة، حيث دأْبُ إمامه هو التأخر، لكن في اللحظة التي يصل فيها العداد إلى الصفر ينهض المأمومون واقفين فيضطر الإمام للدخول.
1. صورتان متنافرتان:
ليس المثالان السابقان الوحيدين على الإخلال بنظام وقت إقامة الصلاة في المساجد، فيوجد مثال آخر لأئمة يستعجلون إقامة الصلاة قبل الوقت المحدد للانتظار، لإكراهات تخصهم دون أن يلجأوا إلى الإنابة في الإمامة اعتبارا لوضعيتهم ودرءً لإرباك المصلين.
غير أنه ترتسم في المقابل صورة مضيئة لأئمة عديدين منضبطين للوقت أيما انضباط، وأكثر المساجد التي يتولون فيها الإمامة تفتقد لشاشات عرض العدادات التنازلية، وهذه إحدى المفارقات مع الأمثلة السابقة.
إنهما صورتان متنافرتان تعكسان تدبيرا مختلفا لزمن الصلوات، ما أحرى مساجدنا أن تكون في منأى عن هذه الازدواجية السلبية، بَلْهَ أن تكون نموذجا يحتذى في الانضباط الصارم لعامل الزمن الذي كرس قواعدَه القرآن الكريم.
2. إخلال إطالة الصلاة كإخلال التأخر في إقامتها
إن عدم الاحترام الجاد لوقت انتظار إقامة الصلوات الخمس، كما هو محدد وطنيا منذ سنوات ولحكمة لا تخفى، ليس إخلالا بسيطا يقتضي التجاهل، بل إن الأمر أعظم من ذلك وأجلّ.
أفلا يمكن اعتبار إطالة الصلاة كتأخير إقامتها، وكلاهما فيه إضرار بالمصلين؟ إن إطالة الصلاة جُرْم شرعي، فكيف لا يكون تأخير إقامتها قريبا من ذلك؟ لقد روى البخاري عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا من يومئذ، فقال: «أيها الناس، إنكم مُنَفِّرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة «. إنها فلسفة قائمة على الرحمة والرفق بالناس في شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام بل من أركانه وهي الصلاة، فالإمام ملزم أن يعتبر أحوال المأمومين، خصوصا المرضى والمستعجِلين من أصحاب الحاجات، أفلا يلزمه نفس الأمر فلا يتأخرْ في الخروج لإمامة المصلين؟ إن المسجد “مرفق عمومي” بمعنى من المعاني، يخضع لقواعد تدبيرية معلومة ومنها قاعدة الوقت، فيتعين على مدبريه ومنهم الأئمة ألا يغفلوا عن ذلك.
3. حاجات تأطيرية:
إن ثمة حاجة تأطيرية أخرى يستدعيها التعامل المخل للقائمين على تدبير المساجد مع عنصر الوقت، فتنظم لفائدتهم الدورات التحسيسية والتكوينية حتى يكون المسجد منارة في الانضباط للوقت وسط مشهد عام يغلب عليه عدم تقدير قيمة الزمن في حياة الأفراد والمؤسسات. ومن المفيد أن يعمل القائمون على تأطير تلك الدورات على توعية المستفيدين بأن التكنولوجيا الرقمية توفر اليوم إمكانات هائلة تُعِينُ على العبادات، من مثل البرمجيات التي تحدد مواقيت الصلوات في كل بقاع العالم وتوفر التنبيهات واتجاه القبلة وغير ذلك من الفوائد، ومن مثل الشاشات التي تَعْرِض العدادات التنازلية لإقامة الصلوات والتي تساعد على حسن تنظيم وقت المصلين.
ومن الحاجات التأطيرية التي يقتضيها حسن إدارة “المرفق العمومي الروحي” الذي هو المسجد، هو ضرورة توعية رواد المساجد بالإخلال الذي يقع من بعضهم والمتمثل في رنين هواتفهم المحمولة أثناء الصلاة أو قبل الدخول فيها، وهو إزعاج كبير وإساءة أيَّما إساءة. وينضاف إلى هذا الإخلال، بثُّ هواتف بعض المصلين للأذان في الوقت الذي يرفع فيه الأذان من مئذنة المسجد.
إن المسجد فضاء مشترك، فينبغي على كل مستعمليه احترام قواعد “العيش المشترك”، ولا يتعلق الأمر هنا بالمسجد فقط، بل إن فضاءات عمومية عديدة تتعرض لانتهاك تلك القواعد باستعمالٍ أرْعن للهواتف المحمولة وإلحاق الأذى بالناس بدم بارد !
ولختم الحديث في هذا الموضوع، تجدر الإشارة إلى أن من عناصر التخلف العام في مجتمعنا هو الاستخفاف بقيمة الوقت، ويقع هذا للأسف من أشخاص يملكون الهواتف الذكية والساعات اليدوية الذكية، فلا تسعفهم تلك التجهيزات ليكونوا أكثر انضباطا للزمن. إن التخلف في تقدير قيمة الزمن في حياتنا لهو عطب ثقافي في العمق لن يعالجه الانتشار الواسع لتكنولوجيا الإعلام والاتصال، بل بثورة ثقافية شاملة تستلهم من الممارسات المتقدمة لدى الشعوب الأسيوية وغيرها من الشعوب الراقية في علاقتها بعنصر الوقت، وتستلهم قبل ذلك من القواعد الراسخة في الوحي.
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
