منذ بداية الحديث عن تهيئة المجال في المغرب، استيرادا للنموذج الفرنسي حول ما يسمى بالفرنسية “L’aménagement du territoire” في أواخر ستينات القرن الماضي تم اعتماد الترجمة إلى “إعداد التراب”، ومنذ ذلك التاريخ تم اعتماد هذه الترجمة إلى يومنا هذا، سواء في تسمية الإدارة المعنية، أو الوزارة الوصية حين يرد إعداد التراب في تسمية الوزارة، نفس الأمر بالنسبة للوثائق التصورية ومخططات التهيئة، من الميثاق الوطني لإعداد التراب إلى المخطط الوطني لإعداد التراب والمخططات الجهوية لإعداد التراب…
فإلى أي حد هذه الترجمة سليمة ومناسبة؟
1- من الناحية اللغوية والدلالية:
كلمة “territoire” في الفرنسية مشتقة من اللاتينية “territorium”، أي “الحيز الجغرافي الذي تمارس عليه سلطة سياسية أو سيادية”.
فهي تحيل في أصلها إلى الحدود المادية للمجال الذي تمارس عليه الدولة السيادة القانونية أكثر مما تحيل إلى البعد الطبيعي أو المجالي.
أما في العربية، فكلمة “التراب” تحمل دلالة مادية–فيزيائية محضة، فهي تشير إلى المادة الأرضية نفسها (التربة).
فحين نقول “إعداد التراب”، يبدو المعنى الحرفي أقرب إلى “تحضير التربة”، مما يخلق تداخلاً دلاليًا مضلِّلاً يوحي بالزراعة أو الأشغال ذات الصلة بالتهيئة الترابية لا بالتخطيط المجالي الشامل.
في المقابل، “المجال” في العربية أوسع وأقرب إلى المقصود بالفرنسية، إذ يدل على الحيز الذي تجري فيه أفعال وأنشطة بشرية واقتصادية واجتماعية ضمن نسق من العلاقات.
فالمجال يتضمن المكان والوظيفة والعلاقات، أي أنه بنية ديناميكية، لا مجرد سطح أرضي.
وبالتالي ف “المجال” أقرب من “التراب” إلى روح كلمة territoire، لأن الترجمة بالتراب تفرغ المفهوم من حمولته البنيوية والاجتماعية.
2- من الناحية المفاهيمية والعملية:
في الفكر الجغرافي والتخطيط المجالي، ظهر مفهوم “aménagement du territoire” في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية ليعني: “تنظيم توزيع السكان والأنشطة والخدمات في فضاء الدولة بطريقة متوازنة ومنسقة”.
إذن الموضوع لم يكن هو التراب أو التربة، بل كان هو العمران والاقتصاد والبيئة، والتوزيع العادل للتجهيزات والبنيات الأساسية والأنشطة الاقتصادية على مجمل المجال الفرنسي بما يحقق العدالة المجالية.
ولذلك فإن المقابل الأنسب في العربية هو “إعداد المجال” أو “تهيئة المجال”، أي التخطيط للفضاء الوطني في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
وحتى في الأدبيات الأكاديمية الفرنسية الحديثة، لم يعد territoire يقصد به فقط المجال الجغرافي، بل:
«Espace vécu, construit socialement et institutionnellement»
3- السياق التاريخي لاعتماد هذه الترجمة والتطور الذي عرفه المفهوم:
كما ورد في البداية فقد اعتمد مصطلح “إعداد التراب الوطني” ترجمةً رسمية منذ أواخر الستينات، وبالضبط سنة 1968 في المخطط الخماسي 1968 – 1972، وتأكد ذلك في بداية السبعينيات، عندما أنشئت مصلحة إعداد التراب الوطني سنة 1972 داخل وزارة الإسكان، والتي ستتحول لاحقا إلى مديرية.
وربما كان هذا الاختيار متأثرًا بالهاجس السياسي–السيادي المتعلق بترسيم “التراب الوطني”، أي الأرض ذات السيادة، أو ببساطة بسبب الترجمة الحرفية من الفرنسية من طرف أشخاص ذوي تكوين تقني متخصص في الهندسة المعمارية وغير متمكنين بما فيه الكفاية من اللغة العربية.
لكن ما يلاحظ هو أنه ورغم استمرار اعتماد هذه الترجمة إلى الآن في التسميات الرسمية، فمع تطور سياسات التهيئة الحضرية والجهوية، وتطور المفاهيم والمقاربات في مجال تهيئة وتنمية المجال أصبح التركيز أكثر على التنمية المحلية والجهوية وعلى التوازن المجالي والعدالة بينها، والتمفصلات بين المجال الحضري–القروي، وهي كلها مفاهيم تتجاوز التراب المادي نحو البنية المكانية والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا نجد أن المصطلحات اللاحقة في الوثائق الرسمية نفسها بدأت تتحدث عن “التنمية المجالية” و“التنمية الجهوية”، ذلك لأن “المجال” أقدر على استيعاب أبعاد التخطيط والسياسات العمومية. ولو أنه مازلنا نجد من يستعمل مصطلح “التنمية الترابية”.
وفي كل الأحوال فإن كان استعمال كلمة “التراب” قد جاء في سياق تاريخي محكوم بمستوى تطور المفاهيم وربما حضور الهاجس السيادي–القانوني، فإنه بالتأكيد قد صار متجاوزًا في السياق المفاهيمي الحديث.
والأنسب اليوم هو الحديث عن “تهيئة المجال” بدل “إعداد التراب”، لأن كلمة “التراب” تضيق عن استيعاب مفهوم التخطيط المجالي الذي يجمع بين الإنسان والمكان والعلاقات والوظائف.
++
*المقال نشره عبد الصمد سكال في حسابه على فيسبوك، واستأذناه في نشرع في “ثقة تيفي”
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/





