ذ.المصطفى أعسو
أراك لا تفتأ تردد: ما ضرَّ العالمَ كفرُه البَـــــواح، وأنتم أهل هذا الدين لا تتقنون غير العويل والنواح، ولا تملكون من أسباب الحضارة إلا الصراخ والصياح، حتى أدرككم موت الحضارة كما أدرك شهرزادَ الصباح.
ضيقتم المباح، وجريتم عكس الرياح، وناديتم بالعودة إلى التراث سبيلا للنُّجْح والفلاح، وهل أفلح الغرب وتقدم إلا يوم ألقى بتراثه في غياهب الاطراح، فهو اليوم في ازدهار وانفتاح، وأنتم خُشَّعٌ عاكفون على تلاوة تراتيله حتى صرتم إلى ذلة وانطراح؟
وأراك تقول: انظر إلى المرأة عندنا كيف غدا الحجاب عقالها، ولو ألقت عنها أغلالها، وأظهرت للناس مفاتنها وجمالها، لعرفت ما عليها وما لها، ولبلغت رشدها وكمالها.
وأراك تقول: إن الحداثة وما بعدها قد ارتقتا بالإنسان في مدارج الإجادة والإتقان، وسمتا به في مراتب التحضر والعمران، وأنتم قد خربتم البنيان، وفتنتم النائم واليقظان، بحكايات الأجداد، وخرافات العفاريت والجان..
وأراك تكرر: إن اللغة العربية هي شر داء، وهي العقبة الكأداء، والمستمسكون بها في وعثاء وشقاء، ولو تخلينا عنها لركبنا ثبج الفضاء، وحلقنا مع العالمين فوق السماء.
وأراكَ تقول: ما حاجة الناس اليوم إلى إيمان مكنون، وغيب مظنون، ونحن في نهاية التاريخ أحوج ما نكون إلى العلم والتقانة وصنع الصواريخ…
مهلا يا صاح،
لقد أتيت منكرا من القول وزورا. لم تُفد من الدين نورا ولا سرورا، ولم تُفد من الحضارة إلا انبهارا وغرورا، لا مشاركة ولا حضورا.
فما صعدتَ إلى القمرِ، ولا استخرجت من الغرب رحيقَ الزهَرِ، بل أنت عندي باختصار تابعٌ مغلوب، والمغلوب مولوع أبدا باتباع الغالب ولو تعثر في الحُفرِ.
مهلا يا صاحبي،
ألم ترَ أن العالم اليوم يشهد صحوة دينية كبيرة: صحوة إسلامية على امتداد البلاد العربية والإسلامية، وصحوة مسيحية في جنوب شرق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وصحوة يهود إسرائيل والأمم الهندوسية.
ولو أنصفت من نفسك، وأفقت من انبهارك واغترارك، لوجدت أن الدين بريء من أخطاء أهله وأصحابه، وأن الأمم أحيت تراثها، ودرست بلغاتها، حتى تمكنت من العلم وأسبابه، وأننا نحن المسلمين بِمَلْكنا أن نُخرج العالم من أعطابه وأوصابه، ونقدم للعالم التركيب البديع بين الدين والعلم من أوسع أبوابه.
وأما حديثك عن حال المرأة، فهل أكرمها مثل الدين، وهل رفع قدرها مثل نبينا الأمين، وهل تخلُّفها إلا من تدهور أحوال المسلمين، ولو تأملت حالها في ديار الغرب لهالتك الأرقام عن وضعها المهين، ولو استقبلتْ من أمرها ما استدبرت لاختارت حياة الطهر والعفاف على عِيشة التهتك والانحلال المشين.
إن البشرية اليوم يا صاحبي في حاجة إلى علم يكمله الدين ويغذيه بالقيم الخالدة ودفقة الإيمان العميقة ، ويهديه إلى مدارج الرشد الإنساني بلمسته الرفيقة، وإيمان تدعمه مكتشفات العلم وفتوحاته الدقيقةَ، إذ لا خصومة ولا شنئان بين العلم والحقيقة.




