في خطاب مطوّل خلال الجلسة الافتتاحية للدورة العادية للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، السبت 14 فبراير 2026 ببوزنيقة، وجّه الأمين العام للحزب، عبد الإله ابن كيران، انتقادات حادة إلى حكومة عزيز أخنوش، معتبراً أنها “نجحت في خلق إجماع ضدها” نتيجة سياساتٍ أفرزت، بحسب تعبيره، حالة احتقان اجتماعي كادت أن “تعصف بالاستقرار”.
مسؤولية الاحتجاجات
ربط ابن كيران بين اختيارات الحكومة وظهور احتجاجات شبابية، في إشارة إلى “حركة جيل زد 212”، معتبراً أن التوتر الاجتماعي الذي ساد المرحلة الماضية دفع فئات من الشباب إلى النزول إلى الشارع في احتجاجات “كادت أن تقلب الأوضاع رأساً على عقب”.
وذهب إلى أن استمرار الحكومة في تلك الظرفية لم يكن مردّه إلى قوتها السياسية، بل إلى ما وصفه بـ“حسن تقدير الملك” حفاظاً على استقرار مؤسسات الدولة، معتبراً أن عدم إسقاطها آنذاك جنّب البلاد، من وجهة نظره، منزلق عدم الاستقرار.
الانتخابات: تحذير من “أساليب جديدة”
وفي ملف الانتخابات، قال ابن كيران إن “الانتخابات ليست كلها مزورة، ولكن هناك أساليب جديدة لذلك”، داعياً إلى “فسح المجال أمام المنافسة الحقيقية بين الأحزاب السياسية” في الاستحقاقات المقبلة.
واعتبر أن النجاح الانتخابي لم يعد رهين البرامج والخطابات فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بآليات التأثير الحديثة، من مال وإعلام وشبكات تواصل ووسائط تنظيمية، في إشارة ضمنية إلى ما يعتبره اختلالاً في تكافؤ الفرص.
وفي رسالة سياسية مباشرة، خاطب جهات لم يسمّها قائلاً: “خلّينا نتنافسو راه كلنا ملكيين”، في محاولة لتأكيد شرعية التعدد داخل النسق الملكي، والدعوة إلى صراع سياسي مؤطر بقواعد واضحة.
رجال الأعمال والسياسة
في سياق الجدل حول العلاقة بين المال والسياسة، شدد ابن كيران على أنه “ليس ضد أن يكون لرجال الأعمال مكان في السياسة”، مبرزاً أن بعضهم قد يكون في حالات قليلة “أفضل من السياسيين”، غير أنه انتقد ما وصفه بتغوّل منطق المال وآليات التأثير غير المتكافئة في المشهد الانتخابي.
المقاصة وتحرير المحروقات
عاد رئيس الحكومة الأسبق إلى الدفاع عن قرار تحرير أسعار المحروقات وإصلاح صندوق المقاصة الذي اتخذته حكومته، مؤكداً أنه كان قراراً سياسياً مستقلاً هدف إلى وقف “اختلالات واستنزاف للمال العام”.
وقال إن حذف المحروقات من قائمة المواد المدعمة جاء بعد اقتناعه بأن الدعم “لم يكن دعماً بل سرقة”، مشككاً في مصداقية بعض الوثائق التي كانت تقدمها شركات المحروقات للحصول على الدعم.
وأضاف أنه ما يزال يعتز بالقرار ومستعد لتحمل تبعاته “إذا اعتُبر خطأ”، متسائلاً: “لو كان القرار خطأ، لماذا لم يُلغِه أخنوش؟”.
كما أشار إلى تصريحات الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، التي تفيد بأن إصلاح المقاصة وفّر موارد مالية للبرامج الاجتماعية الكبرى، والتغطية الصحية الإجبارية، وكذا لاستحقاقات رياضية وتنموية من قبيل كأس أمم إفريقيا وكأس العالم 2030، معتبراً أن ذلك يعزز وجاهة الإصلاح الذي قادته حكومته.
حصيلة حكومة أخنوش
رغم إقراره بما تحقق نسبياً في برنامج الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الصحية، شدد ابن كيران على أن ذلك “لا يعفي من القول إن تجربة العدالة والتنمية الاجتماعية كانت مهمة”، منتقداً ما وصفه بـ“الالتفاف على النتائج والإنجازات وإفسادها”.
واعتبر أن المرحلة الحالية تتسم بتصاعد الغضب الشعبي والمطالبة بالتغيير، وأن الحكومة لم تنجح، وفق تقييمه، في استيعاب تطلعات فئات واسعة من المجتمع.

الشأن الداخلي
على المستوى التنظيمي، أكد ابن كيران أن الحزب خرج من أزمة 2021، وأن أوضاعه النفسية والداخلية تحسنت، مشدداً على أن “الدافع الداخلي” الذي فقده الحزب بعد انتخابات تلك السنة عاد ليتقوى.
واعتبر أن ما حققه الحزب في محطات 2011 و2015 و2016 كان “حدثاً تاريخياً غير مسبوق”، وأن الشعب تجاوب معه رغم “العراقيل والأموال والتدخلات”، قبل أن “تنكسر الدينامية” في 2021.
وفي خطاب تعبوي، دعا أعضاء الحزب إلى الجرأة السياسية قائلاً: “ليست هناك سياسة مع أخذ الاحتياط أكثر من اللازم، يجب أن يقول المرء ما يجب قوله، ويفعل ما يجب القيام به”.
أفق سياسي مفتوح
في قراءة أوسع، تساءل ابن كيران عن أسباب عدم تقدم المغرب بالوتيرة نفسها التي عرفتها دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، رغم ما يتوفر عليه من مقومات، معتبراً أن الإصلاح السياسي والأخلاقي يظل شرطاً لبناء الثقة بين المواطن والسياسة.
وأكد أن مرحلة النزاع حول طبيعة النظام السياسي لم تعد مطروحة في عهد الملك محمد السادس، داعياً إلى إعادة بناء الثقة والالتزام بالأخلاق السياسية، ومحذراً من انتشار “خطاب الوصولية والزبونية” على حساب الكفاءة والاستحقاق.
بهذا الخطاب، يفتح حزب العدالة والتنمية، بقيادة ابن كيران، جبهة سياسية جديدة عنوانها: التنافس المشروع، إصلاح السياسة، وإعادة الاعتبار للشرعية الانتخابية، في أفق استحقاقات تبدو، منذ الآن، محملة برهانات كبرى على مستوى التوازنات الحزبية وإعادة تشكيل الخريطة السياسية.





