حسن بويخف
بعد أن أثار فتنة حقيقية في مواقع التواصل الاجتماعي ووسط المغاربة، تراجعت وزارتي الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية عن المقتضى المثير للجدل والذي تضمنه القرار المشترك رقم 1250 في مادته الخامسة، والتي تنص صراحة على ألا تحمل سيارة نقل الأموات أي عبارات أو رموز باستثناء شريطين أخضرين على الجانبين وكتابة عبارة “نقل الأموات” فقط، مع الإشارة إلى مالك المركبة. مما يعني حذف رموز إسلامية تتعلق بالهلال والشهادتين والآية الكريمة “كل نفس ذائقة الموت” من “العلامة التجارية” التي عرفت بها تلك السيارات مند عقود.
القرار المشترك رقم 1250 صدر بالجريدة الرسمية عدد 7482 بتاريخ 12 فبراير 2026، لكن التراجع عن الفقرة المثيرة للجدل في المادة الخامسة منه لم يعلن عنه بشكل رسمي إلى حدود كتابة هذه السطور، بل تم عن طريق “مصدر مطلع” تحدث لبعض المنابر الإعلامية، مما يعد استخفافا بالرأي العام وضعفا في تحمل المسؤولية، حيث تتطلب مثل هذه الارتباكات التسلح بالشجاعة في مواجهة الرأي العام والاعتذار عن خطأ التجرؤ على الرموز الدينية في دولة إسلامية يرأسها أمير المومنين.
التراجع، في أية قضية فكيف حين تكون شديدة الحساسية، يقتضي صدور بلاغ مشترك موقع من الوزارتين ينشر عبر وكالة المغرب العربي للأنباء والإذاعة الوطنية والقناة الأولى، في انتظار صدور التعديل في الجريدة الرسمية. ومن غير المقبول تدبير أزمة بلون “الفتنة” التي أثارها القرار المشترك عن طريق “مصدر مطلع” وعبر بعض الجرائد الالكترونية المعدودة.
“المصدر المطلع”، حسب (Le360)، تحدث عن أن وزير الداخلية ووزير الصحة والحماية الاجتماعية أصدرا قرارا تكميليا يقضي بتغيير القرار المشترك رقم 1250.25 الصادر في 15 ذي القعدة 1446 (13 ماي 2025)، المتعلق بتحديد معايير الصحة والسلامة الواجب التقيد بها في عمليات دفن الجثث ونقلها وإخراجها من القبور.
لكن يبدو أن “المصدر المطلع” قد وقع في ارتباك عظيم في تفسير حيثيات التراجع عن الفقرة القنبلة في المادة الخامسة من القرار المشترك، حيث نقرأ في جريدة العمق أن المصدر “نفى بشكل قاطع أن يكون صدور هذا القرار قد جاء تحت ضغط ما أثير مؤخرا على منصات التواصل الاجتماعي أو بعض المواقع الإخبارية” وأنه ” ثمرة مسار تشاوري طويل ومستمر بين الوزارات المعنية”. مؤكدا أن “الهدف الأساسي منه هو تجويد الخدمات وضمان احترام كرامة الموتى وفق معايير مهنية دقيقة، وليس مجرد رد فعل مؤقت على نقاشات رقمية”.
وفي جريدة (Le360) يوضح المصدر أن هذا القرار “يأتي في سياق تحيين الإطار القانوني المنظم لهذه العمليات، حيث جرت مراجعة المقتضيات ذات الصلة في إطار استكمال الصياغة القانونية وتدقيق بعض الجوانب الشكلية، بما يكفل مزيدا من الوضوح وقابلية التطبيق ويجنب أي لبس في التأويل”. و”أكد المصدر ذاته أنه استجابة للملاحظات المسجلة، حصر القرار الجديد العبارات المسموح بها على جانبي السيارة في: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، و«كل نفس ذائقة الموت»، و«نقل أموات المسلمين». كما أتاح وضع معلومات مالك السيارة حصراً في الباب الخلفي للمركبة.
ونسجل على “المصدر المطلع”، إن صح ما نسب إليه، ملاحظتين أساسيتين، الأولى تتعلق بالحديث عن “قرار تكميلي” في الوقت الذي يتعلق الأمر بقرار تعديلي. ومصطلح “تكميلي” اختيار ذكي للتسويق الإيجابي لسلوك الارتباك في النازلة.
وفي الملاحظة الثانية نجد أنه في الوقت الذي يؤكد فيه المصدر على أن التراجع لا علاقة له بما أثير من “نقاشات رقمية”، نجده يشدد على أن التراجع كان نتيجة التدقيق والمراجعة و…، فهل عمليات التدقيق والمراجعة تتم قبل نشر النص في الجريدة الرسمية أم بعده؟
و يأتي هذا الارتباك الحكومي بعد سلسلة ارتباكات، وهو الثاني من نوعه خلال أسبوع، بعد الارتباك الذي سجل في نازلة سحب مشروع المرسوم بقانون رقم 2.26.135 المتعلق بإحداث لجنة خاصة بتسيير قطاع الصحافة والنشر من أشغال مجلس الحكومة الأخير (الخميس 19 فبراير)، وسبقته ارتباكات مشابهة في قطاعات أخرى، مثل ما عرفه مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة قبل أسبوعين تقريبا…
إن الاعتراف بكون التراجع جاء نتيجة “النقاشات الرقمية” ليس ضعفا، بل يعزز أحد الشعارات المركزية التي سبق ورفعتها حكومة عزيز أخنوش في أيامها الأولى بالقول إنها “حكومة الانصات”. و “الانصات” والتفاعل الإيجابي مع الشارع من مؤشرات التدبير الديموقراطي المسؤول والشجاع. أما الترفع عن ذلك الاعتراف بل إنكار أي تأثير للنقاش العمومي في سلوك المؤسسات العمومية، بالإضافة إلى أنه مجانب للحقيقة، فهو سلوك حكومة متعالية لا تقيم وزنا للرأي العام، وحكومة تخشى من الاعتراف بأخطائها مما يضعف حس المسؤولية لديها.
إن محاولة تجريد قطاع نقل أموات المسلمين من هويته الأصيلة تعسف كبير لا يمكن تبريره بمسألة حياد “المرفق العمومي” كما ترافع بذلك الذين سارعوا إلى التصفيق للقرار المشترك قبل تعديله. والذي نرجوه صراحة أن تكون هذه النازلة درسا نافعا للحكومة، عبرته الأساسية هي أن أي محاولة لتجريد الفضاء العمومي من رموزه الحضارية والثقافية المرتبطة بهوية الأغلبية الساحقة من المواطنين خط أحمر، وأن محاولة القفز عليه قد يفتح أبوابا لن تجني منها الحكومات سوى المس بالأمن الروحي للمجتمع وبالتالي زعزعة استقراره.
-
حسن بويخفhttps://tiqatv.com/author/bouikhif/
-
حسن بويخفhttps://tiqatv.com/author/bouikhif/
-
حسن بويخفhttps://tiqatv.com/author/bouikhif/
-
حسن بويخفhttps://tiqatv.com/author/bouikhif/



