بقلم: ربيعة طنينشي
في وقتٍ يتصاعد فيه العدوان الصهيوني على أرض فلسطين بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الصمت موقفاً، ولا التبرير خياراً، ولا التأويل ممكناً. نحن أمام صراعٍ مفتوح تُستخدم فيه كل أدوات القوة، العسكرية منها والتشريعية، لفرض واقعٍ دموي على الشعب الفلسطيني الأعزل، في تحدٍ فجّ لكل القيم الإنسانية والشرائع السماوية، وانتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية.
لم يعد ما يجري في فلسطين، مجرد تطورات ميدانية، بل هو تحول خطير في طبيعة الصراع، حيث تتكامل آلة الحرب مع آلة التشريع، في مشهد يكشف بوضوح إصرار الكيان الصهيوني على فرض منطقه بالقوة، دون أدنى اعتبار لأي ضوابط قانونية أو أخلاقية.
وفي هذا السياق، يأتي ما يسمى بـ”قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين” ليكشف الوجه الحقيقي لهذا التصعيد الصهيوني، باعتباره تشريعاً للقتل خارج إطار العدالة ومحاولة مكشوفة لمنح الحصانة لجريمة الإعدام في حق الأسرى الفلسطينيين. إنه إعلان صريح عن مرحلة جديدة تُرفع فيها كل القيود، ويُفتح فيها الباب على مصراعيه أمام مزيد من جرائم العدو الصهيوني النازي المتوحش.
وما كان لهذا المسار أن يستمر لولا الدعم السياسي والعسكري المطلق الذي توفره أمريكا، والذي يشكل الغطاء الحقيقي لهذا العدوان، ويمنح الاحتلال القوة والجرأة لمواصلة انتهاكاته الجسيمة في حق الشعب الفلسطيني الأعزل.
إن ما يجري في غزة من إبادة جماعية وتطهير عرقي وإعدام لكل مقومات الحياة، وما يقع من توسع في الاستيطان و تكثيف حملات الاعتقالات والاقتحامات في الضفة، وفرض الحصار لأكثر من شهر للمسجد الأقصى والقدس الشريف، ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو اختبار قاسٍ لضمير الأمة العربية والإسلامية، واختبار حقيقي لقدرتها على التحرك بما ينسجم مع مرجعيتها الدينية التي توجب نصرة المظلوم، ورفض الظلم عنه، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فأين تقف هذه الأمة اليوم؟ وهل يُعقل أن تستمر في موقع المتفرج، بينما يُعاد رسم واقع المنطقة بالنار والدم؟ وأي مبرر يمكن أن يُقبل أمام هذا الصمت، في لحظة مفصلية تاريخية لا تحتمل التردد ولا الحسابات الضيقة؟
إن الاكتفاء ببيانات التنديد لم يعد كافياً، بل أصبح جزء من المشكلة، فاستمرار الصمت، أو الاكتفاء بردود فعل باهتة، لا يؤدي إلا إلى مزيد من التغول والتصعيد، ويشجع الكيان الصهيوني على التمادي في الظلم والطغيان والتوسع في الاستيطان وشرعنة القتل بقوة القانون.
إن المسؤولية اليوم تفرض موقفاً موحداً، يتجاوز الخلافات، ويرتكز على تنسيق الجهود السياسية والدبلوماسية، وتفعيل أدوات الضغط، وبناء تحالفات قادرة على التأثير في مجريات الأحداث، ووضع حد لهذا الانفلات الخطير.
كما أن المنتظم الدولي مدعو، بل مطالب اليوم، بالخروج من حالة العجز والازدواجية، وتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، عبر تفعيل آليات المحاسبة، ومعاقبة الكيان الصهيوني عن جرائمه في غزة ولبنان وإيران وسوريا، ووضع حد لسياسة إفلاته من العقاب والتي شجعته على التمادي والتغول.
إن ما يجري في فلسطين اليوم ليس مجرد حرب فحسب، بل هو منعطف تاريخي حاسم، ستكون له تداعيات عميقة على مستقبل المنطقة بأكملها، واستمرار هذا النهج التصعيدي الصهيو-أمريكي على الدول والشعوب ، ينذر بانفجار أكبر واتساع رقعة الصراع.
إن اللحظة الراهنة لحظة حسم، لا تحتمل التردد ولا التراخي، بل تتطلب إرادة سياسية صلبة تعيد الاعتبار لفلسطين كقضية مركزية، وتترجم إلى خطوات عملية توقف هذه الحروب الدموية، والابادة الجماعية للشعوب العربية والاسلامية.
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، وما يُكتب اليوم من مواقف لن يكون مجرد كلمات، بل سيكون فاصلاً بين مرحلة التراجع ومرحلة استعادة الحد الأدنى من الكرامة والعدالة.




