تقول دراسة جديدة للمندوبية السامية للتخطيط إن انخفاض مشاركة النساء في سوق العمل، واستمرار العمل غير الرسمي، وتسارع الشيخوخة، تضع ضغطاً متزايدا على طموحات المغرب طويلة الأمد في الحماية الاجتماعية.
وأصدرت المندوبية الدراسة، تحت عنوان “القطاع غير المهيكل، النوع الاجتماعي والتحول الديمغرافي : ديناميات التفاوتات التراكمية والانتقال بين الأجيال”.
واستنادا إلى نتائج تعداد السكان والإسكان العام لعام 2024، تجادل الدراسة بأن هذه الديناميكيات الثلاثة تشكل «نظام عدم المساواة التراكمية» يضعف تدريجيا قاعدة المساهمات في المملكة، ونظام المعاشات، وآليات التضامن بين الأجيال.
- مشاركة نسائية ضعيفة
يحدد التقرير مشاركة النساء في الاقتصاد كأحد أهم نقاط الضعف الهيكلية في المغرب، إذ لا تزال عند 20٪، وأكثر من ثلثي النساء العاملات يشتغلن في القطاع غير الرسمي.
في عام 2024، بلغت نسبة مشاركة النساء 19.1٪ فقط مقارنة بـ 68.6٪ للرجال، وهي من أدنى المعدلات في البلدان ذات الدخل المتوسط.
وعندما تعمل النساء، تبقى الغالبية منهم خارج القطاع الرسمي. إذ يعمل نحو70٪ منهن في الاقتصاد غير المهيكل، مقابل 76.9٪ من الرجال.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى تمركز النساء بشكل أكبر في العمل الأسري غير المؤدى عنه والأنشطة غير المساهمة، في حين يميل الرجال أكثر إلى العمل المستقل أو الشغل المأجور غير المهيكل الذي يولد دﺧﻼً.
- العمل غير الرسمي يضعف قاعدة المساهمات
وتؤكد دراسة المندوبية السامية للتخطيط أن هذا الشمول الاقتصادي المحدود للنساء ” يقلل من قاعدة المساهمة ويبرز عدم التماثل بين الجنسين”.
وفقا للدراسة، تتراكم هذه الفوارق طوال الحياة العملية، لتظهر لاحقًا في سن التقاعد على شكل فجوات عميقة.
يحصل نحو 15٪ فقط من النساء اللواتي تبلغ أعمارهن 60 عامًا فأكثرعلى معاش تقاعدي فعال، مقارنة بـ 37٪ من الرجال.
وفي عام 2020، بلغت نسبة المعاشات التقاعدية بين النساء والرجال 11.1٪ فقط، ما يعني أن معاشات النساء كانت في المتوسط أقل بنحو 9 مرات من معاشات الرجال.
ويشير التقرير إلى أن ﻫﺬا اﻟﻔﺎرق الكبير لايعكس فقط اﻧﻘﻄﺎﻋﺎ ً في ﻧﻬﺎﻳﺔ المسار المهني، ﺑﻞ ﺗﺮاﻛﻢ أرﺑﻌﺔ اﺧﺘﻼﻻت مترابطة عبر ﻛﺎﻣﻞ دورة اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻨﺸﻄﺔ.
ﺗتجلى هذه الدورة في انخفاض المشاركة الاقتصادية للنساء، ضعف احتمال الولوج إلى الشغل المأجور، والتركيز في الشغل غير المهيكل وغير المساهم، ومستويات الأجور الأدنى داخل الشغل المنظم.
- فجوة بين النساء المتقاعدات ومن في سن الشغل
بلغت المعاشات التقاعدية المحتملة للنساء 31 ٪ مقابل 11.1٪ للمعاشات الفعلية. أي بفارق يقارب 19.9 ٪، ما يعكس فجوة جيلية بين النساء المتقاعدات حاليًا والنساء في سن الشغل.
كما يسلط التقرير الضوء على عدم المساواة الحادة بين النساء أنفسهن حسب مستويات التعليم.
ففي سيناريوهات الإصلاح المتكامل، تشهد النساء الحاصلات على التعليم العالي انخفاضا في البطالة بنسبة 5.3 ٪ بحلول عام 2070.
وبالمقابل، ترتفع معدلات البطالة لدى النساء اللواتي لا يحملن شهادة أو لديهم فقط مستوى التعليم الابتدائي والثانوي يزداد بمقدار 5 ٪و7.1 ٪ على التوالي.
وتقدر الدراسة أنه بدون إصلاحات مستهدفة، سترتفع نسبة مشاركة النساء بشكل طفيف فقط خلال الـ 50 سنة القادمة، من 22.8٪ إلى 26.2٪.
- فجوات في تغطية الضمان الاجتماعي
إلى جانب انخفاض مشاركة النساء، يحدد التقرير عدم الرسمية كعقبة هيكلية رئيسية أخرى في سوق العمل المغربي.
ويعني ذلك أن 75٪ من القوى العاملة في المغرب تعمل في القطاع غير الرسمي. مما يعكس هشاشة واسعة وفجوات مستمرة في تغطية الضمان الاجتماعي.
وفقا للدراسة، فإن عدم الرسمية ليست مجرد انقسام بين العمل الرسمي وغير الرسمي، بل نظام هيكلي يضعف قاعدة المساهمات ويحد من فعالية إصلاحات الحماية الاجتماعية.
وتظهر محاكاة التقرير أن الإصلاحات غالبًا ما تعالج خللًا واحدًا، بينما تزيد من سوء آخر. على سبيل المثال، زيادة مشاركة النساء في العمل تولد أكبر زيادة في الشغل النسائي بنسبة 6 ٪.
ومع ذلك، ينتهي الأمر بأكثر من ثلثي الوظائف الجديدة في القطاع غير الرسمي، بينما ترتفع بطالة النساء بنسبة 6.2 ٪ وتراجع الشغل الرسمي بنسبة 8.3 ٪.
وبالمثل، تحسن الإصلاحات التي تركز على التعليم معدلات تنظيم النساء بنسبة 3.6 ٪، لكنها تزيد البطالة أيضًا بسبب محدودية قدرة الاقتصاد الرسمي على استيعاب تدفق الخريجين.
- شيخوخة السكان تعيد تشكيل التوازنات الاجتماعية
وتحذر الدراسة من الاعتماد فقط على تدابير قسرية لمكافحة العمل غير الرسمي.
وتشير المحاكاة إلى أن العقوبات التي تهدف إلى تقليص هذا النوع من العمل إذا تم تنفيذها دون توسيع الاقتصاد الرسمي في الوقت نفسه، قد تؤدي إلى انخفاض التوظيف وزيادة البطالة بدل تحقيق مكاسب إنتاجية.
وفي الوقت نفسه، يمر المغرب بتحول ديموغرافي سريع من المتوقع أن يزيد من الضغط على التوازنات الاجتماعية والمالية.
ومن المتوقع أن ترتفع نسبة المغاربة الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر من 9.4٪ في عام 2014 إلى 23.2٪ بحلول عام 2050.
كما يُتوقع أن تصل نسبة الإعالة في سن المسن، التي تبلغ حاليًا حوالي 20٪، إلى 39.4٪ بحلول عام 2050، متجاوزة بذلك نسبة الاعتماد لدى الشباب.
ووفقًا للتقرير، ستضع هذه التغيرات الديموغرافية ضغطًا متزايدًا على المعاشات التقاعدية، والمالية العامة، وأنظمة التضامن الأسري.
وتشير الدراسة إلى أن متوسط العمر المتوقع الأطول يحول «عجز التراكم السابق إلى التزامات مستقبلية متزايدة للمالية العامة وآليات التضامن الأسرية».
وعلى الرغم من أن الأجيال الشابة تظهر علامات على التحسن التدريجي، إلا أن التقرير يشير إلى أن هذا التقارب يقترب من «سقف هيكلي».
وتخلص الدراسة إلى أن الإجراءات المعزولة لن تكون كافية لمعالجة عدم المساواة المرتبطة بانخفاض مشاركة النساء، عدم العمل الرسمي، والشيخوخة الديموغرافية.
وبدلاً من ذلك، تدعو إلى إصلاحات منسقة تشمل توسيع الطلب الرسمي على العمل، وتحسين التوافق مع سوق العمل، وإعادة هيكلة التعليم، وتعزيز السياسات التي تشجع مشاركة النساء في الاقتصاد.
- أبرز خلاصات التقرير
- تراكم عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية يزداد تأثيره عبر مراحل الحياة وينتقل بين الأجيال.
- ضعف مشاركة النساء في سوق العمل، تسارع التحول الديموغرافي، ارتفاع نسبة العمل غير المهيكل، عوامل متشابكة تعمّق الفجوات وتضعف تكافؤ الفرص.
- مع الشيخوخة السكانية ونمو محدود للقاعدة العمالية، تتصاعد الضغوط على الحماية الاجتماعية وتضعف حقوق المواطنين.
- من المتوقع أن يفقد التقارب التلقائي في الحقوق زخمه بحلول عام 2040، ما لم تُنفذ إصلاحات هيكلية شاملة.
- تعزيز نشاط النساء وإصلاح سوق العمل والحماية الاجتماعية، يمثلان مفتاح تقليص الفجوات وضمان العدالة بين الأجيال.




