عبد الصمد سكال
يمثل عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية الحالي، نموذجاً واضحا، لما يمكن تسميته “التدبير التكنوقراطي للسياسات العمومية والشأن العام”. هذا الأسلوب الذي يعتمد بشكل أساسي على اللجوء إلى الخبرة التقنية ومكاتب الدراسات من أجل إعداد البرامج والمخططات التنموية، في غياب أية رؤية سياسية واجتماعية مؤطرة يكون مصدرها الفاعل السياسي والمسؤول العمومي.
فمنذ بداياته في تدبير الشأن العام، أظهر أخنوش نمطاً ثابتاً في التدبير، يتجلى في الاستعانة الدائمة بمكاتب الدراسات الدولية لصياغة البرامج والاستراتيجيات. فلم يكن اعتماد أخنوش على الخبرة التقنية الخارجية أمراً عابراً، بل نهجاً متكرراً منذ بداية مساره في تدبير الشأن العام. فعند توليه رئاسة مجلس جهة سوس ماسة درعة سنة 2003، لجأ إلى مكتب الدراسات العالمي “ماكنزي” لإنجاز برنامج التنمية الجهوي، بدل الانطلاق من تصور سياسي نابع من فهم عميق لخصوصيات الجهة واحتياجات سكانها ومن تشاور فعلي مع الفاعلين المحليين.
وحين أصبح وزيراً للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية، كرر النموذج نفسه، حيث كان “مخطط المغرب الأخضر” وباقي البرامج الفلاحية نتاج دراسات معدة من طرف مكاتب دراسات دولية، وهو النهج الذي استمر معه حين تولى رئاسة الحكومة، إذ ظلت البرامج الحكومية الكبرى تصاغ وفق منطق تقني بحت يستند إلى الأرقام والمؤشرات الكمية.
ولئن كان لهذا النموذج التكنوقراطي بعض السمات الإيجابية، التي تعكس نوعا من الكفاءة الظاهرية، فإنه بالمقابل يشكو من قصور بنيوي، وهو ما يفسر محدودية النتائج خاصة على مستوى مؤشرات التنمية البشرية:
ويمكن حصر أهم المميزات الإيجابية لهذا النموذج كالتالي:
- الدقة المنهجية: بحيث يتم اعتماد منهجيات تم تطويرها بشكل تراكمي وبالاعتماد على الكثير من الدراسات النظرية والتطبيقية وعلى تراكم الخبرة الميدانية، مع التركيز على الاستناد إلى معطيات وإحصائيات دقيقة تُبنى عليها القرارات.
- الكفاءة التقنية: توفر خبرة عالمية في مجالات التخطيط والتدبير لدى مكاتب الدراسات الدولية، مع الإشارة إلى أن جودة الكفاءات التي تتم تعبئتها لإنجاز البرامج والمخططات تبقى رهينة بجودة المخاطب على مستوى الإدارة المغربية. بحيث عندما يكون المخاطب ضعيف المؤهلات تقوم مكاتب الدراسات الدولية بتكليف بعض المبتدئين لديها بالعلم على المشاريع، مما يؤثر بشكل سلبي على جودة المنجز.
- الفعالية الظاهرية: من الناحية المنهجية تعمل هذه المكاتب عند بناء البرامج والمخططات على التركيز في البداية على الإجراءات التي تمكن من تحقيق نتائج قابلة للقياس على المدى القصير، مما يعطي الانطباع بجودة البرنامج أو المخطط وبنجاحه في البدايات الأولى.
- السرعة في التنفيذ: بحكم دربة هذه المكاتب وما تتوفر عليه من نماذج مخططات أنجزتها سابقا، وبحكم تطويرها لأدوات اشتغال فعالة، من جهة، وبحكم تقليص التشاور والإشراك إلى الحد الأدنى، أو حتى إلغاءه بكل بساطة، تتمكن هذه المكاتب من إنجاز المطلوب منها في آجال مقلصة.
غير أن هذه “المميزات” لا يمكن أن تجعلنا نغفل عن المخاطر الجسيمة والانعكاسات السلبية التي ينطوي عليها التدبير التكنوقراطي للسياسات العمومية والشأن العام. والتي نبرز أهمها كالتالي:
+ غياب البعد السياسي الحقيقي: حيث يتحول العمل السياسي إلى مجرد إدارة تقنية للشأن العام، حيث تُختزل القرارات الكبرى في معادلات رقمية تُعد خارج السياق الوطني والاجتماعي، بعيداً عن النقاش الديمقراطي وتمثيل مصالح الفئات المختلفة.
+ تغييب الخصوصية المحلية: فالبرامج المُعدة من مكاتب دراسات أجنبية، وإن كانت تعتمد منهجيات علمية، غالباً ما تفتقر إلى الفهم العميق للسياقات الثقافية والاجتماعية المحلية، فتُطبَّق نماذج جاهزة لا تراعي الخصوصيات الوطنية والتمايزات الجهوية والفئوية.
+ إضعاف المؤسسات الوطنية: إذ أن الاعتماد المستمر على الخبرة الخارجية يُفرغ المؤسسات الوطنية من قدرتها على بناء خبرة ذاتية، ويرسخ تبعية فكرية ومنهجية.
+ جعل القطاعات الاقتصادية الوطنية في خدمة المنظومة الاقتصادية الغربي: فغياب التأطير السياسي من طرف الفاعل الوطني، لا يعني غياب التأطير السياسي كلية، بل يعني أن المرجعية الغربية المستبطنة لدى ” الخبراء التقنيين” بشكل واعي أو غير واعي تصبح هي المتحكمة والمؤطرة.
أما أخطر إشكال تطرحه هذه المقاربة فيتجلى في أن هذا النموذج التدبيري في تركيزه الحصري على المؤشرات الكمية: زيادة الإنتاج، تحسين الإنتاجية، وترشيد استعمال الموارد، يغفل العنصر الأساسي المستهدف من كل هذان ألا وهو الإنسان.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر، حيث يصبح الإنسان في هذه المعادلة مجرد “مورد بشري” – على غرار المفهوم السائد في لغة التدبير الحديث – أي عنصر من عناصر الإنتاج يُقاس بمردوديته لا بكرامته وتطلعاته.
فالفلاح في “مخطط المغرب الأخضر” مثلاً، لم يكن محور التنمية بقدر ما كان أداة لتحقيق أرقام تصديرية وإنتاجية معينة، فيما ظلت الأسئلة الجوهرية حول تحسين شروط عيشه، وتعليم أبنائه، وتماسك نسيجه الاجتماعي، خارج دائرة الاهتمام الفعلي.
وفي كلمات: أن هذا النمط من التدبير يغيب البعد الإنساني والاجتماعي، فهو لا يهتم:
- بتنمية الإنسان كغاية في ذاتها، بل يعتبره وسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية.
- بالأثر الاجتماعي للسياسات والبرامج على الفئات المستهدفة، خاصة الفقيرة والمهمشة.
-بالعدالة المجالية التي تتطلب معالجة سياسية لا تقنية للفوارق بين الجهات. - بالمشاركة الديمقراطية في صياغة الاختيارات الكبرى التي تهم المواطنين والمعنيين.
ولهذا كان من الطبيعي جدا، كنتيجة حتمية لهذا الاختيار التدبيري للسيد عزيز أخنوش، والذي أصبح للأسف الشديد معمما، ألا يجد المواطن والفاعل ذاته في البرامج والمخططات التي لم يشارك في بلورتها، وألا تنعكس نتائجها عليه.
فإذا كانت الكفاءة التقنية مطلوبة في تدبير الشأن العام، فإنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الرؤية السياسية الشاملة التي تضع الإنسان في قلب المعادلة، لا كأداة للإنتاج، بل كغاية للتنمية وهدف نهائي لكل سياسة عمومية تستحق أن تُسمى تنموية بمعناها الحقيقي والشامل.



