ألغى المغرب مناقصة تشغيل حوض بناء السفن في الدار البيضاء، البالغة كلفة إنجازه نحو 260 مليون دولار، بعد نحو 18 شهراً من إعادة طرح امتياز تشغيل المنشأة لمدة 30 عاماً، في خطوة تعكس توجهاً جديداً نحو تعزيز السيطرة الوطنية على هذا المرفق الاستراتيجي.
وكانت المناقصة قد استقطبت اهتمام عدد من كبار الفاعلين في قطاع بناء وإصلاح السفن من الصين وكوريا الجنوبية وتركيا وإيطاليا وإسبانيا، إلى جانب شركات مغربية، قبل أن تنحصر المنافسة في مرحلتها الأخيرة بين ثلاثة مرشحين.
وبحسب مصادر مطلعة على القرار، فإن مجلس إدارة الوكالة الوطنية للموانئ قرر إلغاء العملية واعتماد «توجه استراتيجي آخر»، مشيرة إلى أن القرار لا يرتبط بجودة العروض المقدمة ولا بالشركات التي بلغت المرحلة النهائية.
من المشغل الدولي إلى تطوير القدرات الوطنية
كانت المناقصة تهدف إلى اختيار مشغل عالمي يتولى إدارة الحوض لمدة 30 عاماً، بهدف تحويله إلى مركز إقليمي رئيسي لبناء وإصلاح السفن، والاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا التي توفرها الشركات الدولية المتخصصة.
وضمت قائمة المنافسين تحالفات تجمع شركات مغربية ودولية. ومن بينها تحالف ضم شركة البناء المغربية «سوماجيك» وشركة HD Hyundai Heavy Industries الكورية الجنوبية وحوض بناء السفن التركي Kuzey Star.
كما كان هناك تحالف تقوده «رادي» القابضة المغربية، إلى جانب «مارينا ميريديونال» الإسبانية و**«نينغبو شينلي» الصينية** و**«سان جورجيو ديل بورتو» الإيطالية**.
غير أن إلغاء المناقصة يشير إلى أن السلطات المغربية باتت تميل إلى تصور مختلف لدور الحوض، يقوم على تطوير منظومة بحرية وصناعية وطنية بدلاً من منح تشغيل المنشأة بالكامل لمشغل أجنبي.

مرفق استراتيجي يتجاوز إصلاح سفن الصيد
يمثل حوض الدار البيضاء الجديد نقلة نوعية مقارنة بالبنية التقليدية لبناء وإصلاح السفن في المغرب، التي كانت تعتمد أساساً على أحواض أصغر في الدار البيضاء وأكادير لخدمة قطاع الصيد البحري.
وتضم المنشأة الجديدة حوضاً جافاً بطول 244 متراً وعرض 40 متراً، إلى جانب رافعة عمودية قادرة على رفع سفن يصل وزنها إلى 9 آلاف طن.
وتتيح هذه التجهيزات التعامل مع نطاق أوسع من السفن، بما فيها السفن التجارية والعسكرية وسفن الصيد، ما يمنح الحوض أهمية تتجاوز قطاع الصيد البحري.
كما يمكن للمنشأة أن تتيح للمغرب إجراء جزء أكبر من عمليات الصيانة والإصلاح والصيانة الدورية لأسطوله البحري داخل البلاد، بما يقلل اللجوء إلى أحواض أجنبية وما يترتب عن ذلك من نفقات بالعملة الصعبة.
نحو صناعة بحرية مغربية؟
لا يزال نموذج التشغيل المستقبلي للحوض غير محسوم بعد إلغاء المناقصة، إلا أن القرار يأتي في سياق توجه أوسع نحو تعزيز القدرات الصناعية الوطنية وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية في بعض البنيات التحتية الاستراتيجية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة مع طموح المغرب إلى تطوير موقعه كمركز بحري رئيسي في إفريقيا، مستفيداً من موقعه الجغرافي ومن توسع بنيته المينائية.
وفي حال جرى اعتماد نموذج وطني متكامل لتشغيل الحوض، فقد لا يقتصر دوره على إصلاح السفن، بل يمكن أن يشكل إحدى ركائز بناء منظومة صناعية بحرية مغربية تشمل الصيانة والإصلاح، وبناء السفن، والتكوين، والخدمات الهندسية، وتطوير سلسلة توريد محلية.
وبذلك، فإن إلغاء المناقصة لا يعني بالضرورة التخلي عن مشروع حوض الدار البيضاء، وإنما قد يمثل إعادة تعريف لدوره وطريقة استغلاله ضمن الاستراتيجية الصناعية والبحرية للمغرب.





