كشفت دراسة حديثة في المغرب عن معدلات مقلقة من تشخيص فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) (السيدا) المتأخر، وعدوى مشتركة كبيرة بالسل، ووفيات مبكرة مرتبطة بضعف المناعة المتقدم.
وبينما حقق العلاج المعتمد على دواء «دولوتغرافير» كبت الفيروس لدى 75% من المرضى في 6 أشهر، تظل الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية وتأخر التشخيص تحديات رئيسية، وفق ما خلصت إليه دراسة جماعية من مستشفى في الدار البيضاء.
ويهاجم الفيروس الجهاز المناعي وخاصة خلايا CD4 المسؤولة عن مكافحة العدوى، ما يؤدي إلى إضعاف قدرة الجسم على مقاومة الأمراض. وإذا لم يُعالج، قد يتطور إلى متلازمة نقص المناعة المكتسب (الإيدز).
وتقدم الدراسة، المنشورة في مجلة BMC للأمراض المعدية، صورة شاملة عن خصائص المرضى المشخّصين حديثاً بفيروس نقص المناعة البشرية في المغرب، وحالتهم الصحية عند التشخيص النهائي، ونتائجهم في الأشهر الستة الأولى من العلاج.
وشملت 396 بالغاً شُخّصوا بالفيروس في عام 2023، في بحث أجراه فريق من كلية الطب والصيدلة بجامعة الحسن الثاني و قسم الأمراض المعدية في مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء.
- الخريطة الديمغرافية للمصابين : 60.1% عازبون
وأظهر الملف الديموغرافي للمشاركين في الدراسة، مزيجا من الهشاشة الاجتماعية والتنقل. كان متوسط العمر 34 عاماً، وشكّل الرجال 55% من الحالات.
كما كان 60.1% من المرضى عازبين، و46.1% عاطلين عن العمل، فيما لم يكن لدى 83.6% منهم تأمين صحي، وهو ما قد يؤثر في فرص الوصول إلى الفحص والرعاية الصحية.
كما أظهرت الدراسة أن واحدا من 5 مرضى – 19.9%- كانوا من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ما يعكس تأثير الهجرة في أنماط انتشار فيروس نقص المناعة البشرية على المستوى الإقليمي.
وسجّلت العلاقات الجنسية بين المغايرين النسبة الأكبر من طرق انتقال العدوى بـ 72% من الحالات، ما يشير إلى أن الفيروس ليس محصوراً في المجموعات المصنفة تقليدياً كفئات رئيسية، بل يمتد إلى عامة السكان البالغين.
- التشخيص المتأخر
وفي الوقت نفسه، كانت طريقة دخول المرضى إلى الرعاية النتيجة الأكثر أهمية في الدراسة، فـ 58.9 % من حالات التشخيص جاءت بعد ظهور أعراض مرضية.
ويشير ذلك، إلى أن معظم المرضى لم يُكتشفوا عبر فحوصات استباقية أو طوعية، بل بعد تطور الحالة سريرياً، ما يعني تكرر الفيروس وتدهور جهاز المناعة قبل التشخيص.
وتؤكد البيانات المناعية مدى تقدم المرض بحلول وقت التشخيص. إذ إن متوسط عدد خلايا CD4، وهي من الخلايا الأساسية في جهاز المناعة، بلغ 186 خلية لكل مليمتر مكعب عند التشخيص.
وأظهرت الدراسة أن 60.6% من المرضى سجلوا عدداً لخلايا CD4 أقل من 200 خلية/مم³، وهو مستوى يُعد مؤشراً على التثبيط المناعي المتقدم ويرتبط بارتفاع خطر الإصابة بالعدوى والمضاعفات الخطيرة.
وأفادت الدراسة بأن 41.4% من المرضى كانوا في المرحلة «C» وفق تصنيف مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، وهي المرحلة المرتبطة بالأمراض المحددة للإيدز.
- مؤشرات الوفيات بين المرضى
كما تصدّر السل قائمة العدوى الانتهازية بنسبة 35.1%، ما يعكس استمرار تداخله مع فيروس نقص المناعة البشرية كأحد العقبات الرئيسية أمام إنهاء الإيدز كتهديد صحي عام.
وأظهرت نتائج المتابعة بعد 6 أشهر أن 75% من المرضى حققوا كبح الفيروس، في حين سُجل فشل فيروسي لدى 10% منهم، وبلغ معدل الوفيات 8.3%..
وقالت الدراسة، إن معدل الوفاة المبكر الذي يقترب من واحد من كل 12 بين المرضى كانت نتيجة مباشرة للتشخيص المتأخر.
وتؤكد أن المرضى الذين يُشخّصون بمستويات CD4 تقل عن 200 خلية/مم³ أو مع إصابة نشطة بالسل، يواجهون فرصاً أقل لتحقيق نتائج علاجية أفضل.
وبشأن الوفيات، حددت الدراسة أربعة مؤشرات مستقلة.
وكان انخفاض عدد خلايا CD4 إلى أقل من 200 خلية/مم³، أقوى مؤشر للوفاة بنسبة خطر معدلة بلغت 3.67.
كما ارتبط ارتفاع خطر الوفاة بالتقدم في العمر (40 عاماً فأكثر) بنسبة 1.62، والإصابة النشطة بالسل بنسبة 2.56، وارتفاع الحمل الفيروسي عند بدء العلاج بنسبة 1.18.
وأكدت الدراسة أن ارتفاع عدد خلايا CD4 وارتفاع الحمل الفيروسي عند التشخيص، يعكسان طول مدة عدم اكتشاف العدوى.
وشددت على أهمية توسيع استراتيجيات الفحص لتشمل البالغين في منتصف العمر وكبار السن، وهم فئات غالباً ما تكون خارج نطاق حملات التوعية.
وأظهرت النتائج أن الإصابة المتقدمة عند بدء العلاج، وارتفاع الحمل الفيروسي، واستخدام أنظمة علاجية لا تعتمد على «TDF/3TC/DTG»، ارتبطت بزيادة خطر الفشل الفيروسي بعد 6 أشهر.
كما ارتبط التشخيص المتأخر بعوامل العمر (40 عاماً فأكثر)، الأصل من أفريقيا جنوب الصحراء، البطالة، الطلاق أو الترمل، والإصابة بالسل.
فيما رجّح الباحثون أن تؤثر محدودية التأمين الصحي والظروف الاجتماعية في فرص الوصول إلى الفحص والرعاية الصحية.
وبالنسبة للمهاجرين، أشارت الدراسة إلى أن حواجز اللغة، ومخاوف الوثائق، وصعوبات الإندماج في أنظمة الرعاية الصحية، قد تؤخر وصولهم إلى التشخيص والعلاج.
كما خلصت إلى أن المرضى الذين يبدأون العلاج بعبء فيروسي مرتفع جداً أو بأنظمة علاجية غير قياسية، هم الأكثر عرضة للفشل العلاجي، ما يؤكد أهمية التشخيص والبدء المبكر بالعلاج الموصى به.
- نتائج لا تكفي للتقييم
ولفت الباحثون إلى أن الدراسة مركزية أُجريت في مستشفى إحالة بالدار البيضاء، ما يجعل نتائجها أكثر ارتباطا بالحالات المعقدة المحالة إلى مستشفى مرجعي.
كما تم تقييد بعض التحليلات على مجموعات فرعية من المرضى. شمل تحليل المرض المتقدم 236 مريضاً لديهم بيانات CD4 متاحة. و شمل تحليل الفشل الفيروسي 280 مريضاً لديهم قياسات حمل فيروسي في 6 أشهر.
ودعا الباحثون إلى إجراء دراسات من عدة مراكز مع متابعة ممتدة، مؤكدين أن نتائج 6 أشهر تعكس نتائج العلاج المبكرة، لكنها لا تكفي لتقييم الالتزام بالعلاج على المدى الطويل.
وأوصت الدراسة بتوسيع برامج الفحص المجتمعي للكشف المبكر عن فيروس نقص المناعة البشرية، وتعزيز التكامل بين خدمات مكافحة الفيروس والسل.
كما دعت إلى توفير دعم اجتماعي واقتصادي للمرضى العاطلين عن العمل، والذين يواجهون صعوبات الوصول إلى الرعاية الصحية، وتعزيز خدمات الفحص الموجهة للمهاجرين.
وتخلص الدراسة إلى أن العلاج المضاد للفيروسات القهقرية حقق كبتاً فيروسياً لدى ثلاثة أرباع المرضى في 6 أشهر، فيما ظل التشخيص المتأخر والإصابة بالسل من أبرز العوامل المؤثرة في النتائج الصحية المبكرة.





