أكثر شيء يمكن أن تمقته في السياسة هو أن تستمع لمسؤول سياسي في آخر ولايته “يكشف” فجأة عن المشاكل التي يتخبط فيها المجال الذي هو مسؤول عنه، أو يطالب بضرورة القيام بكذا وكذا، أو يقدم شكاوى عن صعوبات تواجهه، … ويعتبر نفسه حينها بطلا له القدرة على “الاعتراف”، والجرأة عن كشف بعض “المستور”، وأنه قد أراح ضميره.
مثل هذه السلوكيات ليست في الواقع أكثر من نوع من الهروب من تحمل المسؤولية والعجز عن إعلان الفشل، ونوع من التضليل السياسي الذي يروم صرف الانتباه عن العجز والفشل لدى الفاعل السياسي إلى العقبات والمشاكل والتحديات، رغم أن المسؤولية الوحيدة للسياسي الذي يشارك في تدبير الشأن العام أو يقوده أو يوجهه، هي حل المشاكل ومواجهة التحديات وتجاوز الصعاب، أو إعلان الفشل والتقدم بالاستقالة.
والمنطق السياسي السليم لا يقبل من أي مسؤول استعراض المشاكل والتحديات والصعاب إلا في سياق طرح البدائل والحلول، وفي بداية ولايته لا في أواخرها. ولا يمكن لحكومة في سنتها الأخيرة أن يخرج وزراءها بين الفينة والأخرى بتصريحات صادمة عن واقع مر، ليس من أجل القيام بنقد ذاتي أو بيان المتبقي من تلك المشاكل والصعاب في إطار خطة أو برنامج، بل للمراهنة على كسب التعاطف والعذر لدى الرأي العام.
والأكثر قرفا في هذا “التشخيص الديماغوجي” الذي تشتد حرارته كلما اقتربت نهاية الولاية الحكومية واقتربت بذلك الانتخابات التشريعية، هو أن يخرج وزير أو برلماني إلى العلن ويكشف عن معطيات صادمة في قطاع غير القطاعات الحكومية التي لا يسيرها حزبه، ويمارس “المعارضة الشاردة” المستخفة بالعقول، في محاولة للتملص من المسؤولية التي يقتضيها التضامن الحكومي.
فما معنى أن يعلن اليوم وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي، محمد سعد برادة، عن وجود أربعة آلاف قسم في المناطق الجبلية ليس فيها لا ماء ولا مرحاض؟ والمصيبة أن يعقب على ذلك بالقول، خلال عرض قدمه أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال، بمجلس النواب، الثلاثاء، “حنا خدينا الالتزام باش نحلو المشكل، وبدينا نشتغلو بحلول مبتكرة، منها الاعتماد على صور الأقمار الصناعية لرصد المؤسسات اللي ما فيهاش هاد التجهيزات”.
وينبهنا الوزير في نفس الكلمة أن “المدرسة اللي ما واصلهاش الماء وما فيهاش مرافق صحية مخصصة للبنات، هي مدرسة محكوم عليها بالفشل” ويؤكد أنه ينبغي حل هذا المشكل في أقرب وقت. ثم يحذر من خطورة استمرار عدد من المؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق الجبلية والنائية، في العمل دون مرافق صحية أو وصول للماء الصالح للشرب، معتبرًا أن هذا الوضع يمس بشكل مباشر كرامة التلاميذ ويعيق تمدرس الفتيات.
وهذا الكلام ينبغي أن يسمعه الوزير في سياق تأنيب لا أن يخاطب به البرلمانيين. قهل من ديماغوجية أكبر من هذه، فالوزير لم يكتشف وجود آلاف الأقسام بدون ماء ولا مراحيض إلا متأخرا، ويتحدث عن “حلول مبتكرة” وهي أن سيرصد وجود تلك “الأقسام الجافة” بواسطة صور الأقمار الاصطناعية.
لكن يبدو أن الوزير برادة إنما يستدرك على ما صرح به من قبل زميله في الحكومة الاستقلالي نزار بركة، الذي فجر قنبلة المدارس بدون ماء، في سياق حملة التواصل التي أطلقتها الحكومة لاحتواء مطالب الاحتجاجات الشبابية باستقالتها في إطار حركة “جيل زد 212”.
فقبل قرابة عشرة أيام خرج وزير التجهيز والماء، بتصريح خلال استضافته في برنامج ” نكونو واضحين ” في القناة الثانية (الأحد 5 أكتوبر 2025،) يؤكد فيه وجود “حوالي 5000 مدرسة بدون كهرباء تنتظر مشروع الربط بالماء”. ووعد هو الآخر بأنه “سيتم إطلاق برنامج من أجل تزويد هذه المؤسسات بالماء”.
ويمكن تسجيل الغموض الذي تكشف عنه المقارنة بين تصريحي الوزيرين ليس فقط على مستوى فارق 1000 من أصل 5000، أي 20% من عدم اليقين، بل أيضا بكون برادة يتحدث عن أقسام جبلية، وبركة يتحدث عن مدارس !
وبالعودة إلى برادة، فهو تحدث عن الشروع في “إعداد خرائط دقيقة لحصر هذه المؤسسات ومعالجة الخصاص”، ويكتشف علاقة غياب المراحيض بالهذر المدرسي خاصة وسط الاناث، ويقول “بعض الناس كيظنو أن الهدر المدرسي سببه فقط صعوبات التعليم أو الفقر، ولكن الحقيقة أن غياب مرحاض نظيف وكافٍ هو سبب مباشر في مغادرة آلاف البنات للمدرسة”، ويعقب بالقول “وهادشي خاصنا نعالجوه” ! ثم ينضم إلى صيحات الشارع المحتج على الفشل الحكومي بالقول: “راه ماشي معقول في 2025 مازال تكون عنا مدارس بلا مراحيض. كاين مشكل، وكنقولوها بكل شفافية، ولكن راحنا خدامين عليه”.
إن المصيبة هي أن حديث وزير التربية عن غياب الماء والمراحيض في الأقسام الجبلية قد يفهم منه أن المؤسسات التعليمية في باقي المناطق تتوفر على الماء والمراحيض، وأن تلك المرافق الصحية فيها شروط الكفاية والفصل بين الاناث والذكور، وشروط النظافة والتهوية، والإنارة، وسلامة الأبواب، و… والواقع أن وضع المرافق الصحية في عموم المؤسسات التعليمية وضع كارثي.
“التشخيص الديماغوجي ” الذي قدمنا المرافق الصحية في المؤسسات التعليمية كنموذج لموضوعه يمكن رصد أمثلة كثيرة له في مختلف القطاعات، وخاصة قطاع الصحة.
إن هدف “التشخيص الديماغوجي” هو التضليل المؤقت، بتحويل الفشل إلى مبرر للعجز، وهو دليل عن ضعف قيم “المعقول” كما يعرفه المغاربة، ودليل على الاستخفاف بالرأي العام، وعدم تقدير المواطن وذكائه.
إن خطر “التشخيص الديماغوجي”، هو أنه حين لا يواجه مؤسساتيا، وحين ينتشر في دواليب الدولة (تحت قبة البرلمان، في الإدارات، والجماعات التربية، …)، يكون من أعراض الأزمة السياسية، التي لا تقتصر على ضعف الإنجاز بل تتجاوز إلى انعدام أحد أخلاق السياسة العظيمة، ألا وهو خلق المسؤولية، والذي يقضي بأن يحاسب المسؤول نفسه عن التقصير والفشل قبل أن يحاسبه الغير.
المسؤولية، كما يتلزم بها المسؤولون في الدول الديموقراطية التي تحترم المواطنين، تقضي، من وزير الصحة مباشرة بعد أن اكتشف متأخرا وجود 4000 قسم جبلي لا يتوفر على الماء والمرافق الصحية، ومن وزير التجهيز والماء حين اكتشف وجود 5000 مدرسة غير مربوطة بالماء، أن يقدما استقالتهما، ويرفعا الراية البيضاء.
الوزيران ليسا سوى نموذج لثقافة “التشخيص الديماغوجي” المنتشرة وسط وزراء حكومة السيد أخنوش التي يطالب الشباب اليوم بأن تكمل رمزية ارتداء اللباس الأبيض الموحد في اجتماع الأغلبية وفي مجلس الحكومة اللذان عقدا في سياق احتجاجات “جيل زد 212” بأن ترفع الراية البيضاء، وتكرس في الممارسة السياسية المغربية خلقا قويما في احترام صناديق الاقتراع واحترام المواطنين، هي أمس الحاجة إليه، ألا وهو خلق الاستقالة.
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/





