—
تسجل حركة “جيل زد 212” تطورات على عدة مستويات، فبعد التطورات التي تم تسجيلها على مستوى الخطاب السياسي، يلاحظ تطور أيضا على مستوى وتيرة الوقفات الاحتجاجية، وتراجع الزخم في وقفات يوم 18 أكتوبر كمحطة لها خصوصيتها، وظهور إعلانات عن صراعات داخلية. فما هي الخلفية السياسية والتنظيمية المحتملة لمثل هذا التطور؟
مما لا شك فيه أن 10 أكتوبر 2025، تاريخ خطاب الملك محمد السادس لافتتاح الدورة البرلمانية، بصمت بقوة مسار الحركة وتطورها. فمن جهة شكلت تلك المحطة القطب السياسي الذي قاد تكييف الخطاب السياسي للحركة وتلطيف مطالبها، كما فصلنا ذلك في المقال السابق بعنوان (هل فشلت حركة “جيل زد 212” في امتحان خطاب 10 أكتوبر؟)، ومن جهة ثانية بصمت تلك المحطة تطور البرنامج النضالي للحركة، حيث تم تكييفه مع أجندة الخطاب، بتعليق الوقفات يوم الجمعة 10 أكتوبر لمواصلتها يوم السبت، في بداية الأمر، ثم تمديد التعليق ليشمل يومي السبت والأحد 11-12 المواليين، وتمديد ثاني يعلق الاحتجاجات لمدة ثمانية أيام لتعود إلى الشارع فقط يوم 18 أكتوبر.
التمديد الأول الذي علق الاحتجاجات ليومي السبت والأحد 11-12 أكتوبر بررته الحركة في بلاغها ليوم السبت 11 أكتوبر بالقول إن “هذا القرار اتخذ بعد ساعات طويلة من النقاش والتشاور مع خبراء ميدانيين وأعضاء من مختلف المدن، واستنادا إلى قراءة دقيقة للوضع الميداني والظرف السياسي الراهن”. وعبارات ” خبراء ميدانيين” و”الوضع الميداني” و”الظرف السياسي” لم تعلن الحركة المقصود بها، ورغم أن الوضع الميداني والظرف السياسي لم يحملا أي تحولات واضحة قد تبرر التأجيل، يبقى دور “الخبراء الميدانيين” موضع غموض حول طبيعة هؤلاء “الخبراء” ونوع التأثير الذي قد يكون لهم على الاختيارات النضالية للحركة.
وفي مقالنا المشار إليه سابقا، قدرنا أن يكون هذا التأجيل له علاقة بالجدل الحاد والإحباط المعبر عنه وسط قواعد الحركة على منصة ديسكورد بعد الخطاب، وأن الحركة لجأت إلى هذا التكتيك لاستيعاب الغضب الداخلي وتجنيب الاحتجاجات أي انزلاق محتمل.
في بلاغ تعليق احتجاجات يومي 11 و12 أكتوبر لم تلعن فيه الحركة موعدا جديدا لاستئناف الوقفات، ووعدت بالكشف عن الموعد المقبل يوم السبت 11 أكتوبر. وهو ما لم يتم إلا في يوم الاثنين 13 أكتوبر.
غير أن البلاغ حمل إشارة هامة حيث يقول “تؤكد الحركة أن هذا التوقف المؤقت خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز التنظيم والتنسيق وضمان أن تكون المرحلة المقبلة أكثر فعالية وتأثيرا، بعيدا عن أي ارتجال أو استغلال خارجي” ما يعزز ما ذهبنا إليه من كون التأجيل مجرد آلية لاستيعاب الوضع الداخلي وضبطه.
وفي بلاغ يوم الاثنين 13 أكتوبر، أعلنت الحركة “بعد نقاشات داخلية مسؤولة وعملية تصويت واسعة شارك فيها أعضاؤنا” أعلنت الحركة عن “تنظيم وقفات احتجاجية سلمية في مدن محددة يوم السبت المقبل 18 أكتوبر”، وهو ما يعني عمليا أن الحركة علقت احتجاجاتها الميدانية لمدة ثمانية أيام متواصلة.
خلال هذه الفترة 11-18 أكتوبر ظهرت “تطورات داخلية” وسط الحركة، يمكن تصنيفها على أنها محاولات إرباك واضحة قد يكون تأجيل تنظيم الاحتجاجات نتيجة لها، نشير إليها بتركيز، كالتالي:
في 13 أكتوبر أعلنت الحركة في بلاغ تبرؤها من مجموعة “سوس ماسة”، وقالت تعلم “جميع المتابعين وأعضاءها بأننا لا نتحمل أي مسؤولية عن صفحة أو مجموعة تحمل اسم “GenZ212 سوس ماسة”، والتي تمثل مناطق أكادير وبعض المدن الأخرى”. مضيفة “نؤكد أننا لم نتفق مع أي شخص أو جهة في أي مدينة أو جهة إلى حد الساعة، وأن أي قرارات أو تصريحات صادرة عن هذه الصفحة أو أي أفراد ينتمون لها لم يتم استشارتنا بشأنها ولم تحصل بموافقة الحركة الرسمية .. نؤكد أن أي حركة جزئية رسمية أو اتفاقات رسمية سيتم الإعلان عنها فقط عبر الصفحات الرسمية للحركة وعلى منصة Discord الخاصة بنا، لضمان الوضوح ومنع أي لبس لدى المتابعين. داعية “جميع المتابعين إلى توخي الحذر وعدم الانسياق وراء أي تصريحات أو قرارات تصدر عن أي جهة خارج الإطار الرسمي للحركة.
في 18 أكتوبر، يوم الاحتجاج المنتظر، دافع شباب “جيل ⵣ Z الأمازيغي”، عن قرار انسحابهم من الحركة، متهمينها بالوصاية الفكرية والولاءات العابرة للحدود، … مستنكرين في بلاغ “استمرار بعض الوجوه المعروفة بعدائها للمؤسسة الملكية وللوحدة الترابية في محاولاتها الركوب على الاحتجاجات باستغلال قضايا الشباب والمعتقلين لخدمة أجندات ضيقة ومشبوهة، تموّه خطابها بشعارات الحرية بينما تخفي عداءً صريحاً للمؤسسة الملكية وثوابت الأمة”.
وفي نفس اليوم أيضا، أي 18 أكتوبر، سوف يصدر بلاغان متناقضان يهمان جيل Z » لجهة الشرق » (وجدة – بركان – الناظور – جرادة – بوعرفة – فجيج – فكيك)، حيث أعلن الأول انسحاب شباب جيل زد لجهة الشرق من الحركة، فيما أعلن الثاني زيف البلاغ واستمرار شباب الجهة في الحركة.
واتهم بلاغ الانسحاب الحركة ابتعادها عن مبادئها الأساسية و”سعي بعض قياداتها للتحالف مع تيارات غير منسجمة مع قيمها الأصلية”، والحديث عن “انسحابات جماعية” و”صرعات داخلية”. ونفى بلاغ الرد جميع التهم والادعاءات.
وبالموازاة مع هذه “الانتفاضات” الرقمية في صفوف الحركة، والتي يؤكد تزامنها مع وقفات 18 أكتوبر هدفها في محاولة الإرباك، تتعرض منصة ديسكورد لهجوم واسع للذباب الالكتروني، ويتضح ذلك من عملية الإغراق الواضحة على الدردشات، وانزلاق النقاشات إلى قضايا هامشية مما يثيره الذباب الالكتروني، مما يجعل المتابعة صعبة والنقاش مشتتا، …
وفي ظل هذه التوترات الداخلية نظمت احتجاجات 18 أكتوبر، والتي كانت ميزتها الأساسية هي تراجع زخمها مقارنة مع الأولى. فهل نجحت تلك “التوترات” في إضعاف الحركة؟
لقد راهنت الحركة على أن تسجل احتجاجات 18 أكتوبر رسالة سياسية قوية بزخم كبير، غير أن الحصيلة كانت دون ذلك.
كان واضحا مند البداية أن الحركة تعاني من ضعف شديد على مستوى الرؤية والبرنامج، وكان متوقعا أن تؤثر التحولات التي عرفها خطابها السياسي وبرنامجها النضالي على زخمها الميداني.
في التقدير، وانطلاقا من قراءة عامة لتجربة الحركة الفتية، هناك عوامل كثيرة يمكنها أن ترهن زخم الاحتجاجات مستقبليا، وقد تفسر ضعفها في احتجاجات 18 أكتوبر أيضا، نجمل أهما في العوامل التالية:
الأول، التأثير السلبي لعامل التأجيل الغامض لجدول الاحتجاجات على معنويات وحماسة الشباب. فتدبير سلوك الاحتجاج الجماعي يتطلب مقاربة مرنة على مستوى البرنامج تتفادى الإرهاق وتوفر أرضية صلبة من التعبئة والحشد.
الثاني، ضعف الخطاب التعبوي على مستوى الأهداف والرسائل والأشكال النضالية، فعلى مستوى الأهداف تم تسجيل تراجع في السقف المتعلق بالحكومة (من الإقالة إلى الاستقالة) والأحزاب الفاسدة (من طلب الحل إلى لا شيء)، مما يتطلب تجديدا يعطي الحيوية للأهداف دون الخروج عن الخط الرسمي للحركة … وعلى مستوى الرسائل هناك زخم لا يسمح بتمييز الرسائل المركزية التي ينبغي أن تبقى في الأذهان. وعلى مستوى الأشكال، بالإضافة إلى الوقفات والشعارات والبلاغات، هناك حملة مقاطعة تعاني من ضعف في التسويق، وضعف في رصد التأثير لتحفيز المواصلة، وإضافة إلى ذلك، ما زالت الحركة لم تفرج عن حزمة الأشكال الجديدة التي وعدت بها. وعموما فعدم التجديد وضخ الحيوية في الخطاب التعبوي للحركة يهدده بالموت البطيء.
الثالث، ضعف تدبير ملف الموقوفين والمصابين، فالحركة أظهرت عجزا كبيرا في رصد الحالات والتعرف عليها والتواصل مع أهاليها، بل يسجل نفس الضعف أيضا على مستوى حضور ملف الموقوفين في أدبيات الحركة وإعلامها.
الرابع، ضعف المحتوى الرقمي الذي تتم صناعته ونشره على صفحة فيسبوك ومنصة ديسكورد، فالمحتوى يغلب عليه ما هو رسمي، بلاغات وبيانات ودعوات وتوضيحا، وكان بالإمكان إنتاج محتوى تعبوي موضوعاتي، مثل قضية الموقوفين، مسألة العنف، مسألة الشغب، إعادة نشر المطالب بشكل أجمل على شكل أنفوغرافيا، أو موشن غرافيك، …
الخامس، رغم أن صفحة الحركة على فيسبوك سجلت 127 ألف متابع، ومنصة ديسكورد، سجلت قرابة 283 ألف عضو، فهذه القاعدة لم تستطع الحركة، في التقدير، تعبئتها في حملات التسويق الرقمي لأدبياتها وأشكالها النضالية.
السادس، المقاربة الكلاسيكية المعتمدة في التأطير الفكري والسياسي، فحتى الآن مر على منصة التأطير ستة مؤطرين هم طلال لحلو (7 أكتوبر)، عمر بلافريج (8 أكتوبر)، أبو بكر الجامعي (11 أكتوبر)، توفيق بوعشرين (12 أكتوبر)، نجيب أقصبي (13 أكتوبر) وأحمد بنشمسي (16 أكتوبر)… ورغم أن النقاش مفتوح بين الحضور والمؤطر غير أنه أسلوب يعتمد في جوهره على مقاربة كلاسيكية مملة (ملقٍ مقابل متلقين) مما انعكس سلبا على زخم الحضور الذي تراجع مع الأيام بشكل كبير جدا. وكان بالإمكان اعتماد مقاربات تفاعلية وديناميكية في التأطير مثل المناظرات والندوات حول موضوعات محددة أو بين المعارضة والأغلبية، والتي تسمح بتعميق المعالجة وبتلاقح وجهات النظر ليس بين المُلْق و”المتلقي” بل بين المؤطرين أنسفسهم، مما يعطي الحيوية للتأطير واستدامة زخمه.
السابع، فتح “جبهة داخلية” مبكرة حول تقاسم السلطة، ستكون له انعكاسات سلبية كبيرة على قدرة الحركة على التعبئة والتنظيم والابداع. وإذا صح أن الحركة داخليا تعيش على وقع خلافات في سياق “مشاورات لتشكيل هيئة تنسيق وطنية”، فإنها بالتأكيد سوف تنشغل باحتواء الدينامية الداخلية على حساب الدينامية النضالية التي لا يمكن تدبيرها عبر بلاغات باردة. فهذه المشاورات، إن صحت، تواجه فخ “التنظيم الرقمي” الذي كرسته منصة ديسكورد، والذي يرتكز على وجود مركز وطني (الأدمينات) ومراكز جهوية ومحلية (دول إقامة الجالية المغربية، وجهات المملكة ومدنها الكبرى) ما يفسح المجال أمام توجهين رئيسيين توجه يراهن على “مركزية القرار والحفاظ على وحدة القيادة”، وتوجه يراهن على “توسيع التمثيلية الجهوية واستقلال القرار المحلي”، بالإضافة إلى ما قد ينتج عن ذلك من صعوبات كبيرة تهم “آليات الاختيار والتفويض الرقمي”.
الثامن، مشكلة تدبير المِلكية الفكرية والهوية البصرية وما يترتب عنه من التشويش على الحركة بمحتويات منتحلة. فالحركة بحكم وضعها القانوني لا يمكنها التحكم في استعمال رموزها والحديث باسمها، والتداول الرقمي لا يمكن ضبطه من خلال صفحة رسمية على فيسبوك ومنصة خاصة على موقع ديسكورد. ورغم ما أعلنته الحركة اليوم (19 أكتوبر) من اعتماد تقنية رقمية لتوقيع البيانات والبلاغات الصادرة عنها تسمح بالتأكد من نسبتها إليها، فذلك يفيد الفاعلين من إعلاميين وباحثين وغيرهم في التأكد من أصالة البلاغات والبيانات، لكن لا يعط الحركة القدرة على ضبط المحتوى الرقمي الذي يروج في الفضاء الأزرق، والذي يعطي لمختلف “الجهات” إمكانية انتحال الهوية والصفة الخاصة بها، ونشر محتويات باسمها. وهذا يفرض عليها استثمار قواعدها، كما أشرنا أليه في النقطة الخامسة، في الرفع من قدرتها على التسويق العضوي عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في التقدير، على سبيل الختم، إذا واصلت الحركة عملها وفق الخط السياسي الذي رسمته، واستطاعت الحفاظ على إيقاع معقول للوقفات الاحتجاجية السلمية على أساس تعبئة قوية، وأبدعت في الأشكال النضالية، وقوت إعلامها وقدرتها على تسويق مشروعها، وانفتحت على القوى السياسية والمجتمعية القريبة من خطها السياسي، فسيتعزز كل ذلك موقعها كقوة اقتراحية شبابية معتبرة في الساحة المغربية.
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/





