__
كان نسرٌ ضخم يحيا في غابة من الطيور، وكان قوياً شديد البطش، نافذ السلطان، ثقيل الوطأة تهاب الطيور سطوته، وتحذر من بأسه. ومضت السنون على ذلك، وهو يزداد ضراوة و ” تحكما”.
وبينـا هو مطمئن إلى قوته، مسترسل في أوهامه، إذ هبت ريح شديدة، قاومها بكل ما أوتي من قوة، لكنها استطاعت أن تكسر طرفا من جناحه. فتضعضعت قوته، وخارت عزيمته، ولم يشعر إلا والحمائم تحيط به، وتحدق بعشه، وما عتمت أن أمسكت بتلابيبه، وأحكمت قبضتها عليه، واسترخى النسر بين يديها، لا سيما وقد نمى إلى سمعه أن نسوراً أخرى قد قضي عليها، وبادت أمجادها، وتهصّرت صولتها.
قالت الحمائم للنسر بعد أن نشبت أظافرها فيه: هل تذكر ما صنعتَ بنا إذ كنا أذلة، وأنت قوي؟
فأجابهم النسر:
وماذا تريدون أن تصنعوا بي؟
فقالوا: نأكلك، ونتخلص منك، ونكفي مَن بعْدنا شرك.
فسخر منهم قائلا:
و الله، إني لا أسمن و لا أغني من جوع، و أنتم حمائم شباب، لا قبل لكم بتسيير الغابة، ولا دربة لكم، ولا سابق تجربة، فهل لكم إلى أن تتركوني، و أنا أنصحكم ثلاث نصائح، هي خير لكم وأزكى من أكلي. أقول لكم الأولى و أنا على أيديكم، و أنصحكم الثانية إذا عدت إلى عشي، أما الثالثة فحين أحلق في الجو .
فكرت الحمائم فيما قاله النسر، وخلصت للتناجي والتشاور، ثم قالت الحمائم: موافقون، هات ما عندكِ .
فقال النسر و هو على أيديهم: لا تأسفوا على ما فات، فبشائر الغد ستكون أجمل وأطيب، وستتولون دفة التسيير ناعمين بالحرية، غارقين في السلام، سعداء بتنمية الغابة،
فصدقوا قوله، وتركوه يعود إلى عشه.
و لما حط على عشه على الشجرة قال لهم شامتاً: لا تصدقوا كل ما يقال لكم.
ثم تابع كلامه هازئاً: أيها الصيادون المهرة، لو كشفتم جوفي لوجدتم في حوصلتي جوهرة، تفي لكم بكل متطلبات التنمية المنشودة .
فلما سمعت كلامه، عضت على شفاهها تحسراً، وندمت على إطلاق سراحه، ولكنها قالت متوجعة: هاتِ الثالثة .
نظر إليهم النسر، وقد حلق بعيدا في الفضاء، شاعراً بما يعتصر في نفوس الحمائم من حسرة و ألم، و قال لهم:
وما يجديكم أن أنصحكم نصيحة ثالثة، و لم تُفِيدوا من النصيحتين السابقتين ؟
فقالت له الحمائم: وكيف ذلك ؟
قال النسر: ألم أقل لكم “لا تأسفوا على ما فاتكم”؟، وقد أسفتم على إطلاق سراحي، و قلت لكم “لا تصدقوا كل ما يقال لكم”، وقد صدقتم أن في خزائني ما تصلحون به شأنكم، وتنهضون به من ضعفكم وتخلفكم…
و الله لو وزنتم عظامي و لحمي و ريشي، لم يبلغ كل ذلك عشر معشار ما تأملون من إصلاح شأنكم، و علاج خللكم.
وهنا أطلق النسر جناحيه للريح، وطار تاركاً الحمائم تعض أناملها من الغيظ…
وعاد النسر إلى سابق عهده، وعادت حليمة إلى عادتها القديمة، وعادت الطيور إلى تهامسها واستكانتها وتلذذها بالاستسلام والأمان… كل الأمان!
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/





