____
خطة السلام التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب الروسية الأكرانية تكشف عن بعض الأساليب التي يتبعها الخبير العقاري في الاتجار بمشاريع السلام هنا وهناك، وتفسر الانخراط الأمريكي الواسع في مبادرات السلام عبر العالم.
وسنكتفي ببندين من البنود 28 من تلك الخطة (البندين 10 و14)، وهي كافية وواضحة لفهم أسس الاتجار الأمريكي بالسلام. ومثل هذه البنود تكشف ما تم إخفاؤه بين سطور الخطة المماثلة التي طرحتها دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة في صيغتها الأخيرة التي اعترف بها قرار مجلس الأمن رقم 2803، وهي ليست أكثر من إعادة صياغة وتهذيب للخطة الأمريكية الإسرائيلية الأولى التي عرفت إعلاميا ب”ريفييرا الشرق الأوسط”.
وينص البند 10 من خطة السلام التي طرحها ترامب لوقف الحرب الروسية الأكرانية على أنه “ستحصل الولايات المتحدة على تعويض عن الضمانات الأمنية. في حال قامت أوكرانيا بغزو روسيا، ستفقد هذه الضمانات…”. وبيع الضمانات الأمنية نهج أمريكي تقليدي يشمل عدة أشكال، منها ما هو مالي مثل: تكاليف الترتيبات الأمنية (نشر أو تشغيل أي قوات أو معدات أمريكية يتم إرسالها إلى المنطقة)، شراء الأسلحة الأمريكية وذلك بإلزام أوكرانيا باستخدام التمويل المتاح (سواء من المساعدات أو من تعويضات روسيا) لشراء كميات كبيرة من العتاد والأسلحة الأمريكية، مما يعود بالنفع الاقتصادي على صناعة الدفاع الأمريكية. ومنها ما هو استراتيجي وسياسي، مثل: التنازلات الإقليمية (غير المباشرة) من خلال الحصول على “تعويض” من قبول أوكرانيا لشروط السلام التي تخدم المصالح الأمريكية/الروسية (مثل التنازل عن أراضٍ معينة). الحصول على دور القائدة وذلك بتعزيز الدور القيادي والمحوري للولايات المتحدة في هندسة النظام الأمني الأوروبي الجديد، مع التزام أوكرانيا والحلفاء بالتعاون التام مع واشنطن في القضايا الأمنية.
لكن الوجه التجاري المباشر في مساعي ترامب لتحقيق السلام بين روسيا واكرانيا نجده في البند رقم 14 من خطته، حيث ينص هذا البند بشكل واضح وصريح على أنه “سيستثمر 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة في مشاريع تقودها الولايات المتحدة لإعادة الإعمار والاستثمار في أوكرانيا، مع حصول الولايات المتحدة على 50% من الفوائد. ستضيف أوروبا 100 مليار دولار لزيادة حجم الاستثمارات المتاحة لإعادة إعمار أوكرانيا. وسيتم الإفراج عن الأموال الأوروبية المجمدة، بينما يستثمر ما تبقى من الأموال الروسية المجمدة في آلية استثمار أميركية روسية منفصلة”.
وكما هو واضح من ذلك البند، فالولايات المتحدة، ومن منطلق “مساعيها للسلام”:
+ تحدد 100 مليار دولار كغلاف مالي لإعادة الإعمار يؤخذ من الأموال الروسية المجمدة في أوروبا والتي تقدر بما مجموعه 300 مليار دولار.
+ تفرض نفسها كقائدة لمشاريع إعادة الاعمار والاستثمار في اوكرنيا.
+ تفرض على أوروبا إضافة 100 مليار دولار إلى غلاف الاستثمار في إعادة الإعمار الذي تقوده الولايات المتحدة والممول من الأصول الروسية المجمدة، ليبلغ مجموع غلاف الاستثمار في إعادة الإعمار 200 مليار دولار.
+ تفرض لها حصة 50 في المائة من فوائد استثمارات بقيمة 200 مليار دولار مخصصة لإعادة الإعمار.
+ يستثمر المتبقي من الأموال الروسية المجمدة، أي قرابة 200 مليار دولار، في آلية استثمار أمريكية روسية منفصلة.
والخلاصة المالية أن الولايات المتحدة ستجد نفسها تقود استثمرا ضخما يصل غلافه المالي الإجمالي إلى 400 مليار دولار! وتحصد 50 في المائة من فوائد استثمار 200 مليار دولار لإعادة الإعمار، وتتقاسم مع روسيا عائدات استثمار 200 مليار دولار من باقي الأموال الروسية المجمدة في أوروبا!
وبالطبع هناك فوائد أخرى ستجنيها أمريكا من “كعكة إعادة الإعمار” في أكرانيا وتتعلق بالامتيازات التي سوف تحصل عليها الشركات الأمريكية في مشاريع إعادة الإعمار ومشاريع التنمية الاقتصادية، علما أن ترامب هو الذي تقترحه خطته للسلام لرئاسة “مجلس السلام” الذي سيكون الآمر والناهي وفق الخطة. أي أن نسبة كبيرة من 400 مليار دولار المتوقع استثمارها ستؤول للشركات الأمريكية.
فهل هناك رابح أكبر من الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب الروسية الأكرانية؟
روسيا هي الرابح الثاني الوحيد، حيث ستربحها خطة ترامب أراضي أكرانية شاسعة مقابل أصولها المجمدة في أوروبا. فقد “باعها” ترامب أراض أكرانية شاسعة مقابل 300 مليار دولار سوف يستثمرها ويجني أرباحها. وتشمل تلك الأراضي: منطقتي لوغانسك ودونيتسك بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014، “كأراض روسية”، وتقاسم منطقتين أخريين بين روسيا وأوكرانيا في الجنوب هما خيرسون وزابوريجيا.
لقد خلت خطة ترامب للسلام في غزة من مثل هذه التفاصيل لكنها مخفية في كون ترامب هو من سيترأس “مجلس السلام” الذي هو بمثابة حكومة انتقالية مصغرة، والذي يتحكم في جميع القرارات المتعلقة بقطاع غزة سواء ذات الصلة بالجوانب الأمنية والسياسية، أو التي لها علاقة بإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
والمفارق هو أن ترامب تصرف بنوع من “العدل” مع روسيا، حيث أن إعادة إعمار ما دمرته سيتم نصفه من أموالها المجمدة والنصف الآخر بتمويل اوروبي، في حين أن إعادة الإعمار في غزة لن تساهم فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي ولو بسنت واحد، وسيتم تمويل جزء منه من خلال استثمارات المؤسسات المالية الكبرى مثل البنك الدولي، وهو ما سيرهن الاقتصاد الفلسطيني لديونه. وجزء آخر سيتم تمويله من الدول العربية والإسلامية وباقي الدول، ومنها تمويلات هي استثمارات أيضا.
وفي كل الأحول فالولايات المتحدة أقل ما ستستفيده من “كعكة إعادة الإعمار” في غزة هو ضمان هيمنة الشركات الأمريكية، وربما الإسرائيلية أيضا، على تنفيذ المشاريع، وقد تُظهر تفاصيل المخططات قريبا أوجها أخرى لتلك الاستفادة، مثل تفويت المشاريع الاقتصادية للشركات الأمريكية، وعلى رأسها شركات المستثمر العقاري دونالد ترامب.
والخلاصة أننا أمام وجه آخر من أوجه اقتصاد الحرب، تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم بحكم الهشاشة التي يعرفها النظام العالمي القائم، حيث أصبحت القوة العالمية المهيمنة والتي لا تخضع لأي قانون دولي، وتستغل مجلس الأمن، لإضفاء الشرعية على مبادرات السلام التي تقف خلفها وتحصد نتائجها الاقتصادية والمالية.
■■ بقلم حسن بويخف
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/
-
wacowzvohttps://tiqatv.com/author/wacowzvo/





