في لحظةٍ لم يعد فيها النقاش حول فلسطين محصورًا في حدود الجغرافيا والسياسة، بل امتد إلى مساءلة الضمير الغربي نفسه، يعود الوزير السابق والباحث الحبيب الشوباني بكتاب جديد يحمل عنوان المسألة اليهودية في عصر الطوفان.
يقترح الكتاب أطروحة تتجاوز مجرد نقد المشروع الصهيوني، نحو إعادة تفكيك “المسألة اليهودية” باعتبارها، وفق تصور مؤلفه الشوباني، أنها أزمة أوروبية الأصل، جرى تصديرها إلى فلسطين بالقوة.
وخلال تقديم كتابه، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، قال الشوباني إن “طوفان الأقصى لم يُنتج فقط مأساة إنسانية وإبادة في غزة، بل فجّر زلزالًا معرفيًا داخل المجتمعات الغربية”.
وأوضح أن النقاش في أوروبا وأمريكا بات يعيد طرح سؤال ظل، بحسبه، مُغيّبًا لعقود: “من المسؤول عن تهجير اليهود الأوروبيين إلى فلسطين؟”.
وأضاف أن “الغرب كان يؤمن بالسردية الصهيونية أكثر من أصحابها أحيانًا، من قبيل: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وأرض الميعاد… لكن مشاهد الإبادة في غزة أعادت فتح جراح السؤال الأخلاقي”.
واعتبر الشوباني أن ما يجري اليوم يمثل “انفجارًا في الوعي العالمي” كشف حدود السردية المؤسسة للمشروع الصهيوني.

“المسألة اليهودية”.. من أوروبا إلى فلسطين
الكتاب، الذي يقع في 284 صفحة وقدم له الأمين العام السابق لحزب التقدم والاشتراكية إسماعيل العلوي، ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن القضية الفلسطينية ليست سوى “فرع” لما يسميه المؤلف “المسألة اليهودية الأوروبية”.
ويحاول الشوباني، عبر ثمانية محاور، إعادة بناء سردية تاريخية وفكرية للمشروع الصهيوني، مستندًا إلى عشرات المراجع الغربية واليهودية، من بينها أعمال حنة أرندت وإيلان بابي وشلومو ساند وآفي شلايم وجان بول سارتر.
ويرى المؤلف أن “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية” دخل، بعد هجوم السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب على غزة، مرحلة “اللايقين الوجودي”. بسبب فشله في الاندماج داخل البيئة الحضارية للمنطقة، باعتباره “حلًا مفروضًا بالقوة لا بالشرعية التاريخية”.
“الهولوكوست الفلسطيني” والثورة الرقمية
ومن أبرز الأفكار التي يشتغل عليها الكتاب ما يسميه المؤلف “عولمة الهولوكوست الفلسطيني”، في إشارة إلى الدور الذي لعبته المنصات الرقمية ووسائل التواصل في نقل صور الحرب على غزة إلى العالم بشكل مباشر، بما ساهم ـ حسب قراءته ـ في تقويض الرواية الإسرائيلية التقليدية داخل الرأي العام الغربي.
ويعتبر الشوباني أن “طوفان الأقصى” لم يكن حدثًا عسكريًا فقط، بل لحظة فارقة “أصابت الأساطير المؤسسة للحل الصهيوني بشروخ عميقة”، وأعادت إحياء النقاش حول جذور الصراع من منظور أخلاقي وتاريخي.
“التطبيع بالإكراه”
ولا يقف الكتاب عند حدود التأريخ الفكري، بل يمتد إلى نقد مسارات التطبيع العربي مع إسرائيل، إذ يصفها المؤلف بأنها “تطبيع بالإكراه”، ناتج عن “ضغوط الهيمنة الغربية”، محذرًا مما يسميه “مخاطر سرطان التطبيع” على الوعي السياسي والثقافي في العالم الإسلامي.
وفي هذا السياق، يرى أن الرهان على التطبيع باعتباره مدخلًا للاستقرار أو الواقعية السياسية “رهان على مشروع استعماري قديم”، مرتبط ـ وفق طرحه ـ باستمرار “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”.
17 طبعة خلال عام وترجمات تتوسع خارج العربية
وكشف الشوباني، خلال الندوة، أن الكتاب حقق انتشارًا لافتًا منذ صدوره، إذ بلغ طبعته السابعة عشرة في ظرف سنة واحدة، في مؤشر على حجم التفاعل الذي أثاره داخل الأوساط الفكرية والسياسية المهتمة بالقضية الفلسطينية وتحولات الوعي الغربي تجاهها.
وأوضح أن الكتاب تُرجم إلى اللغات الإسبانية والإنجليزية والفرنسية، إلى جانب نسخته العربية الأصلية، فيما توجد ترجمات أخرى “قيد الإنجاز والطبع”.
واعتبر أن هذا التفاعل يعكس اتساع الاهتمام الدولي بالأطروحة التي يقدمها حول “المسألة اليهودية” وعلاقة المشروع الصهيوني بالتحولات التي أعقبت “طوفان الأقصى”.
وأشار إلى أن النسخة الإسبانية جاءت بطلب من دار نشر في كولومبيا، مع برمجة توقيع مرتقب في إسبانيا بطلب من مثقفين وباحثين مهتمين بالنقاش الفكري الذي يثيره الكتاب.
ويختم المؤلف كتابه بسؤال مفتوح: “بعد الفشل التاريخي للحل الصهيوني، هل يوجد حل حضاري إسلامي للمسألة اليهودية؟”.
هذا السؤال يحاول الشوباني الإجابة عنه عبر ما يسميه “الحل المزدوج”، القائم على “تحرير الفلسطينيين من الاحتلال، وتحرير اليهود من الصهيونية”.





