أظهرت التجارب الأولى لشباك دوارة معززة، صُممت لحماية مراكب صيد السردين من هجمات الدلفين الكبير المعروف محلياً بـ«النيكرو»، نتائج إيجابية، مع انخفاض واضح في خسائر الشباك وتحسن في مردودية المراكب، ما يمهد لتعميم التجربة على عشرات مراكب الصيد بالجهة.
خلص مهنيون وخبراء في قطاع الصيد البحري، خلال لقاء عقد الأربعاء بالحسيمة، إلى أن التجارب الأولى في عرض البحر للشباك المعززة تكللت بنتائج مرضية، بعد نحو شهر من الاختبارات على ثلاثة مراكب تنشط بموانئ الحسيمة والجبهة ورأس الماء.
وجرى تقييم التجربة بمقر مندوبية الصيد البحري بالحسيمة، بحضور ممثلين عن المكتب الوطني للصيد، والمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، ومجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، إلى جانب مهنيي القطاع ومسؤولي غرفة الصيد البحري المتوسطية.
وتندرج هذه التجارب ضمن مشروع يرمي إلى الحد من الخسائر التي تلحق بمصايد الأسماك السطحية الصغيرة جراء الهجمات المتكررة للدلفين الكبير، الذي يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه مراكب صيد السردين في المنطقة.
نتائج مشجعة في عرض البحر
وأظهرت النماذج الأولية الثلاثة، بحسب التقييم المنجز خلال اللقاء، مقاومة أفضل للهجمات مقارنة بالشباك التقليدية، رغم تسجيل بعض حالات التمزق.
وأكد محمد مالولي الإدريسي، المنسق الوطني لمشروع الشباك المعززة بالمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، أن التقييم كان إيجابياً من الناحيتين العلمية والمهنية، مشيراً إلى أن الشباك الجديدة مكنت أيضاً من تحسين الإنتاجية.
أما رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية، منير الدراز، فأوضح أن الهدف من المشروع لا يتمثل في القضاء نهائياً على هجمات الدلفين الكبير، وإنما تقليص آثارها وخفض الخسائر الناتجة عنها.
وبحسب المعطيات المقدمة خلال اللقاء، استمرت الهجمات خلال المرحلة التجريبية، غير أن الخسائر ظلت محدودة مقارنة بالسابق، بالتزامن مع ارتفاع مداخيل المراكب والبحارة المعنيين بالتجربة.
من ثلاثة مراكب إلى 57 وحدة
وتأتي هذه النتائج لتمهد الطريق للانتقال من المرحلة التجريبية إلى مرحلة أوسع، إذ صادق المهنيون المشاركون على مواصلة تنفيذ المشروع، الذي يشمل 57 وحدة إضافية.
وكانت ثلاثة مراكب قد استفادت من الشباك النموذجية ضمن المرحلة الأولى، فيما يجري حالياً إعداد جدول زمني لتسليم الشباك إلى المراكب المتبقية، بتنسيق مع الموانئ المعنية، وهي الناظور والجبهة ورأس الماء وكالا إيريس والحسيمة.
ومن المنتظر إجراء قرعة ثانية لتحديد المراكب المستفيدة تباعاً، بينما يتطلع المهنيون إلى تعميم الشباك المعززة على مجموع الجهة خلال فترة تتراوح بين سنة وسنة ونصف.
مشروع بـ90 مليون درهم
ويأتي المشروع في إطار اتفاقية شراكة أبرمت سنة 2024 بين عدد من القطاعات الوزارية ومجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة والمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري والمكتب الوطني للصيد، بغلاف مالي يبلغ 90 مليون درهم.
وتتولى شركة MIFA تنفيذ الصفقة الخاصة بتصنيع الشباك، حيث أكد مديرها العام يوسف كرم أن النماذج الثلاثة التي خضعت للتجربة في عرض البحر أظهرت نتائج إيجابية، الأمر الذي دفع مختلف المتدخلين إلى الانتقال إلى تصنيع الوحدات المتبقية.
وأوضح كرم أن الشركة ستعتمد، خلال المرحلة المقبلة، مقاربة تقنية تتيح التواصل المباشر مع المراكب المستفيدة، ودراسة خصائص كل واحد منها قبل تصنيع الشبكة الخاصة به، بهدف ضمان ملاءمتها للمواصفات التقنية المطلوبة وتعزيز قدرتها على مقاومة هجمات الدلفين الكبير.
ابتكار تقني لمشكلة مزمنة
ولا تقتصر أهمية المشروع على تطوير نوع جديد من الشباك، بل تكمن في محاولة تقديم حل تقني لمشكلة تؤثر مباشرة في دخل الصيادين واستدامة نشاطهم.
فالهجمات المتكررة للدلافين لا تؤدي فقط إلى إتلاف معدات الصيد، وإنما يمكن أن تتسبب في ضياع جزء من المصيد وتعطيل عمليات الصيد ورفع كلفة النشاط، وهو ما ينعكس في النهاية على مردودية المراكب ودخل البحارة.
وتشير نتائج المرحلة الأولى إلى أن الشباك المعززة قد تشكل حلاً عملياً لتقليص هذه الخسائر، دون الادعاء بإمكانية منع الهجمات بشكل كامل.
وبينما يستعد المشروع للانتقال إلى مرحلة التعميم، سيواصل المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري التتبع التقني والميداني للشباك الجديدة، بهدف إدخال التحسينات الضرورية ورفع فعاليتها.
وبذلك تنتقل التجربة من اختبار ثلاثة نماذج في عرض البحر إلى مشروع أوسع يراهن على الابتكار التقني لحماية معدات الصيد وتحسين مردودية المراكب والحفاظ على نشاط مهني يشكل مصدراً أساسياً للدخل في عدد من المناطق الساحلية.





