كشف استطلاع أجرته مؤسسة كونراد أديناور عن ملامح مزاج عام مغربي يجمع بين التفاؤل بمسار البلاد، والثقة المرتفعة في عدد من مؤسسات الدولة، والضغط المتزايد على ميزانيات الأسر، إلى جانب حضور قوي للدين في تصورات المغاربة للنظام السياسي والحياة العامة.
وأظهر الاستطلاع، الذي شمل عدداً من بلدان المنطقة، أن 81% من المغاربة يرون أن أوضاع بلادهم أفضل مما كانت عليه قبل «الربيع العربي»، وهي أعلى نسبة مسجلة بين البلدان التي شملها الاستطلاع، فيما يتوقع 83% تحسن الاقتصاد المغربي خلال السنوات المقبلة.
لكن هذا التفاؤل على المستوى الوطني لا ينعكس بالدرجة نفسها على الوضع المالي للأسر؛ إذ تراجعت نسبة المغاربة الذين قالوا إن دخولهم تكفي لتغطية نفقاتهم من 65% سنة 2020 إلى 44% سنة 2026.
ثقة مرتفعة في مؤسسات الدولة.. وثقة أقل في الأحزاب
تُظهر النتائج مستويات مرتفعة من الثقة في عدد من المؤسسات والفاعلين داخل المجتمع المغربي.
وتصدرت المؤسسات الدينية المحلية قائمة المؤسسات التي تحظى بثقة المغاربة بنسبة بلغت 95%، وهي من أعلى النسب المسجلة بين البلدان السبعة التي شملها الاستطلاع.
كما بلغت الثقة في الجيش 89%، وفي القضاء 84%، وفي المجتمع المدني 83%.
في المقابل، تراجعت مستويات الثقة في المؤسسات السياسية المنتخبة؛ إذ بلغت الثقة في البرلمان 66%، بينما لم تتجاوز 56% بالنسبة للأحزاب السياسية.
ويربط التقرير ضعف الثقة في الأحزاب مقارنة بالمؤسسات الحكومية والأمنية بكونها لا يُنظر إليها بالقدر نفسه باعتبارها وسيطاً فعالاً بين المجتمع والدولة.
ويحذر التقرير، بناء على ذلك، من أن حصر برامج الإصلاح السياسي في الأحزاب قد يتجاهل فاعلين ومؤسسات أخرى تحظى بمستويات أعلى من الثقة، وفي مقدمتها المجتمع المدني والمؤسسات الدينية.
تفاؤل اقتصادي.. لكن الأسر تحت الضغط
على المستوى الاقتصادي، تبدو الصورة أكثر إيجابية في تقييم المغاربة للوضع الوطني.
فقد وصف 60% من المشاركين الوضع الاقتصادي في المغرب بأنه «جيد» أو «جيد جداً»، بينما قال 70% إن الاقتصاد أفضل مما كان عليه قبل جائحة كوفيد-19.
كما اعتبر 66% أن توفر فرص العمل «جيد» أو «جيد جداً».
غير أن هذا التقييم الإيجابي للاقتصاد الكلي لا ينسحب بالكامل على الوضع المالي للأسر. فقد انخفضت نسبة المغاربة الذين يؤكدون أن دخلهم يغطي نفقاتهم من 65% سنة 2020 إلى 44% سنة 2026.
ويربط التقرير جانباً من التفاؤل بتحسن النشاط الاقتصادي وتدفق الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً في قطاعات مثل السيارات والبطاريات، لكنه يسجل في المقابل استمرار الضغوط التي تواجهها الأسر في تغطية نفقاتها.
وهنا تظهر إحدى أبرز مفارقات الاستطلاع: يمكن أن يكون المواطن متفائلاً بمسار الاقتصاد الوطني، وفي الوقت نفسه يشعر بأن قدرته المالية الشخصية لا تتحسن بالوتيرة نفسها.
التعليم والصحة في صدارة أولويات الاستثمار العمومي
لا يضع المغاربة خلق فرص العمل في صدارة أولويات الاستثمار العمومي، خلافاً لما أظهرته نتائج الاستطلاع في الأردن ولبنان وفلسطين.
فقد تصدر التعليم والرعاية الصحية قائمة الأولويات، بنسبة 29% لكل منهما.
وتعكس هذه النتائج، وفق التقرير، تصوراً للتنمية لا يختزل النمو الاقتصادي في خلق الوظائف، بل يربطه أيضاً بجودة الخدمات العمومية، وتطوير المهارات، وتحسين مستوى المعيشة.
وفي السياق نفسه، يؤيد 76% من المغاربة جذب الاستثمارات الأجنبية لتحسين الظروف الاقتصادية.
لكن النتائج تكشف في المقابل عن تفضيل واضح لدور اقتصادي قوي للدولة؛ إذ أيد 67% ملكية الحكومة للمؤسسات والصناعات الكبرى، مقابل 54% أيدوا نموذجاً يقوم على الملكية الخاصة والمنافسة.
وتوحي هذه المعطيات بتفضيل نموذج اقتصادي يجمع بين المبادرة الخاصة ودور قوي للدولة في توجيه الاقتصاد والحماية الاجتماعية.
الدين.. حضور قوي في تصور المغاربة للنظام السياسي
تُعد مكانة الدين في الحياة العامة والسياسية من أبرز المعطيات التي يكشف عنها الاستطلاع.
ففي الوقت الذي أيد فيه 54% من المغاربة نظاماً ديمقراطياً برلمانياً تتنافس فيه الأحزاب الدينية وغير الدينية، أظهرت النتائج أيضاً تأييداً لنماذج سياسية تمنح السلطة التنفيذية أو الدين دوراً أكثر حضوراً.
فقد اعتبر 39% أن نظاماً يقوده قائد قوي من دون معارضة أو انتخابات مناسب، بينما أيد 56% نظاماً يقوم على الشريعة الدينية من دون انتخابات أو أحزاب.
وتبدو هذه النتيجة، كما يعرضها التقرير، جزءاً من اتجاه إقليمي أوسع؛ إذ بلغت نسبة تأييد النظام القائم على الشريعة من دون انتخابات أو أحزاب 63% في الأردن، و57% في مصر، و48% في فلسطين، و43% في سوريا، مقابل 12% فقط في لبنان.
وتشير هذه المعطيات إلى أن تصورات المغاربة للنظام السياسي لا تتحرك بالضرورة داخل ثنائية بسيطة بين «الديمقراطية» و«الاستبداد»، وإنما تتضمن بحثاً عن صيغة تجمع بين التمثيل السياسي والاستقرار والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة، مع استمرار حضور الدين في المجال العام.
هل يريد المغاربة للدين دوراً في القرار السياسي؟
لا يقتصر حضور الدين في نتائج الاستطلاع على الموقف من شكل النظام السياسي، بل يمتد أيضاً إلى العلاقة بين الدين والسلطة.
فقد أظهر الاستطلاع أن نحو نصف المشاركين في المغرب والأردن ومصر وسوريا وفلسطين يؤيدون أن يكون لرجال الدين تأثير في قرارات الحكومة.
وفي المقابل، يرى 53% من المغاربة أن الممارسة الدينية شأن خاص، مقابل 59% في مصر و 76% في لبنان.
وتكشف هذه النتائج عن موقف أكثر تعقيداً من مجرد الفصل بين «الدين» و«السياسة»؛ فوجود نسبة معتبرة ترى التدين شأناً خاصاً يتعايش مع تأييد نسبة أخرى لدور رجال الدين في المجال السياسي.
وبذلك، لا يبدو النقاش بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الرأي العام متعلقاً فقط بسؤال: هل يكون الدين حاضراً أم غائباً؟ بل أيضاً بسؤال كيف يكون هذا الحضور، وما حدود تأثيره داخل مؤسسات الدولة والحياة السياسية؟
وسائل التواصل الاجتماعي.. المصدر الأول للمعلومات السياسية
تواصل وسائل التواصل الاجتماعي تعزيز موقعها كمصدر رئيسي للمعلومات السياسية في المنطقة.
وفي المغرب، قال 45% من المشاركين إن منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وواتساب تمثل مصدرهم الرئيسي للمعلومات حول الأحداث السياسية.
وتصل النسبة إلى 73% في لبنان، و68% في فلسطين، و64% في كل من الأردن وسوريا، مقابل 42% في مصر و37% في تونس.
ويرى التقرير أن الاعتماد المتزايد على هذه المنصات يجعل الرأي العام أكثر تعرضاً لتدفقات معلومات غير مركزية، ويرفع في الوقت نفسه مخاطر الأخبار الزائفة ونظريات المؤامرة، كما يمكن أن يسرع انتقال تأثير الأزمات الإقليمية إلى المواقف المحلية.
انفتاح على شركاء دوليين متعددين
تظهر نتائج الاستطلاع أيضاً انفتاحاً مغربياً على مجموعة متنوعة من القوى الدولية والإقليمية.
فقد حظيت الصين بصورة إيجابية لدى 72% من المشاركين، مقابل 68% لألمانيا والاتحاد الأوروبي، و64% للولايات المتحدة، و63% لفرنسا.
كما سجلت كل من السعودية وتركيا وقطر والإمارات مستويات إيجابية من التأييد.
ويرى التقرير أن هذا التنوع في المواقف يمنح المغرب هامشاً واسعاً لتنويع شراكاته الاقتصادية والدولية وعدم حصرها في اتجاه واحد.
المغرب في سياق إقليمي مضطرب
تضع نتائج الاستطلاع المزاج العام المغربي ضمن سياق إقليمي يتسم بمزيج من الإحباط والواقعية والتفاؤل الانتقائي.
ويشير التقرير إلى أن الأزمات الإقليمية، بما فيها الحرب مع إيران، عززت الاهتمام بقضايا الأمن والقدرة على الصمود والاصطفافات الإقليمية.
كما ينبه إلى احتمال تأثير الظروف السياسية والأمنية التي تعيشها بعض البلدان على إجابات المشاركين، خصوصاً في القضايا الحساسة المرتبطة بالسياسة الخارجية والأمن والعلاقات مع إسرائيل.
صورة مركبة للمغربي اليوم
في المحصلة، يرسم الاستطلاع صورة مركبة للمزاج العام في المغرب.
فالمغاربة أكثر تفاؤلاً بمسار بلادهم مقارنة بما كانت عليه الأوضاع قبل «الربيع العربي»، ويظهرون ثقة مرتفعة في مؤسسات الدولة والجيش والقضاء والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية، كما يبدون انفتاحاً على الاستثمار الأجنبي وتنويع الشراكات الدولية.
لكن هذا التفاؤل يتعايش مع ضغوط واضحة على القدرة المالية للأسر، ومع فجوة في الثقة بين مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية.
وفي الوقت نفسه، تكشف النتائج عن حضور قوي للدين في تصورات المغاربة للحياة العامة والنظام السياسي، من دون أن يعني ذلك موقفاً واحداً أو متجانساً بشأن العلاقة بين الدين والدولة.
وبذلك تبدو صورة المغرب التي يعكسها الاستطلاع قائمة على ثلاث مفارقات أساسية: تفاؤل اقتصادي على المستوى الوطني مقابل ضغوط معيشية على مستوى الأسر، ثقة قوية في الدولة مقابل ثقة أقل في الأحزاب، وحضور قوي للدين في المجال العام مع استمرار التأييد لأشكال من التمثيل السياسي الديمقراطي.
عن مؤسسة كونراد أديناور
مؤسسة كونراد أديناور مؤسسة ألمانية تأسست سنة 1964، وتحمل اسم كونراد أديناور، أول مستشار لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وترتبط تاريخياً بالحزب المسيحي الديمقراطي الألماني.





