تتواصل تداعيات أزمة العبور الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة أواخر يوليوز، وسط تصاعد المخاوف بشأن مصير عشرات المهاجرين الذين لقوا حتفهم في البحر أو أثناء محاولات الوصول إلى المدينة، في وقت بدأت فيه السلطات الإسبانية دفن جثامين لم تتمكن من تحديد هويات أصحابها.
ودفنت سلطات سبتة، الجمعة، 18 جثمانا مجهول الهوية في مقبرة إسلامية بالمدينة، بعد نحو ثلاثة أسابيع من أزمة الحدود التي خلفت، بحسب المعطيات الواردة في التقارير، أكثر من 90 وفاة.
وتعود الجثامين الـ18 إلى رجال، وكانت قد انتُشلت من البحر دون أن تتمكن السلطات من تحديد هويات أصحابها. ووُضعت أرقام على القبور بدلا من الأسماء، بما يسمح بالعثور عليها مستقبلا في حال تمكنت السلطات من التعرف على الضحايا أو تقدم أفراد من أسرهم بمعلومات جديدة.
غير أن دفن هذه الجثامين فتح نقاشا حقوقيا وإنسانيا حول مدى استنفاد إجراءات التعرف على أصحابها قبل دفنها، وحول مصير عشرات الجثامين الأخرى التي لا تزال تنتظر تحديد هوياتها.

مطالب بوقف دفن الجثامين المجهولة
ودعت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بإقليم المضيق ـ الفنيدق ـ مرتيل السلطات المغربية والإسبانية إلى فتح تنسيق عاجل وشفاف بشأن جثامين المهاجرين الذين لقوا حتفهم خلال أحداث سبتة.
وأكدت العصبة أن دفن الجثمان مجهول الهوية لا ينبغي أن يعني إغلاق ملف التعرف عليه، مطالبة بالحفاظ على جميع العينات البيولوجية والوثائق والمعطيات الطبية والقضائية التي يمكن أن تسمح بتحديد هوية الضحايا مستقبلا.
كما دعت إلى إخضاع كل جثمان مجهول الهوية لفحوصات الحمض النووي، مع حفظ العينات والبيانات المرتبطة به بطريقة تتيح إعادة عمليات التعرف عند ظهور معلومات جديدة.
وطالبت المنظمة كذلك بتمكين السلطات المغربية من المعطيات اللازمة للمساهمة في عمليات تحديد الهوية، وإخبار الأسر بنتائج التحقيقات وعمليات التعرف وظروف الوفاة بكل شفافية.
أما الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فقد دعت بدورها إلى تعليق عمليات دفن الضحايا إلى حين استنفاد جميع الوسائل الممكنة لتحديد هوياتهم، والمساعدة في إعادة الجثامين إلى أسرهم في المغرب.

76 جثمانا آخر في انتظار الدفن
وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل إعلان سلطات سبتة استعدادها لدفن 76 جثمانا آخر تعود إلى مهاجرين مجهولي الهوية، انتُشلت جثامينهم من البحر يومي 30 و31 يوليوز ولم يتم التعرف على أصحابها حتى الآن.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بـ18 جثمانا فقط، بل بملف أوسع يطرح تحديا إنسانيا وقانونيا أمام السلطات المغربية والإسبانية، خصوصا في ظل العدد الكبير للمفقودين الذين لا تزال أسرهم تبحث عن مصيرهم.
وتؤكد أرقام السلطات أن الأزمة التي شهدتها سبتة كانت استثنائية من حيث حجمها؛ إذ حاول نحو 72 ألف شخص الوصول إلى المدينة في أواخر يوليوز، عبر السباحة أو سيرا على الأقدام من الجانب المغربي، فيما لقي عشرات الأشخاص حتفهم غرقا أو خلال التدافع المرتبط بمحاولات العبور.
وعاد معظم الأشخاص الذين دخلوا المدينة إلى المغرب، بينما ظل آلاف المهاجرين في سبتة، في ظل استمرار الضغط على مرافق الإيواء.
الجثمان المجهول.. بين الإجراء الإداري والحق في الهوية
وتدفع المنظمات الحقوقية باتجاه اعتماد مقاربة تتجاوز التعامل مع الجثامين المجهولة باعتبارها مسألة إدارية أو لوجستية.
وترى العصبة أن لكل ضحية اسما وأسرة وحقوقا، وأن الوفاة لا تسقط حق الإنسان في الكرامة، كما لا تسقط حق أسرته في معرفة مصيره وتحديد هويته وظروف وفاته واستعادة جثمانه.
ولهذا تقترح المنظمة إنشاء آلية مغربية ـ إسبانية مشتركة لتتبع ملفات المفقودين والضحايا المرتبطين بأحداث الهجرة في سبتة، وتبادل المعطيات بين الجهات المختصة.
كما دعت إلى إشراك القضاء والسلطات القنصلية وخبراء الطب الشرعي والمنظمات الحقوقية والمدنية في متابعة الملف، بما يضمن الشفافية ويحافظ على حقوق الضحايا وأسرهم.
وتطالب العصبة أيضا السلطات الإسبانية، وخصوصا سلطات سبتة، بتجنب دفن جثامين جديدة مجهولة الهوية متى كان ذلك ممكنا من الناحية القانونية، إلى حين استكمال إجراءات التعرف عليها.
أرقام متباينة حول المهاجرين الذين لا يزالون في سبتة
ولا تزال المدينة تواجه في الوقت نفسه تداعيات إنسانية مباشرة للأزمة.
وتتباين التقديرات الرسمية بشأن عدد المهاجرين الذين ما زالوا في سبتة؛ إذ تقدر السلطات المحلية العدد بنحو 10 آلاف شخص، بينما تقدر الحكومة الإسبانية المركزية العدد بحوالي 5 آلاف.
وفي محاولة لتخفيف الضغط، بدأت الشرطة الإسبانية إخلاء شاطئ ترامبولين، حيث أقام آلاف المهاجرين مخيما منذ موجة العبور في نهاية يوليوز.
وبحسب المعطيات الواردة في التقارير، نقل نحو 1200 مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء إلى مجمع عسكري، بينما نقل مهاجرون مغاربة إلى موقع آخر بالقرب من معبر تاراخال.
كما تعمل الحكومة الإسبانية على نقل نحو 500 قاصر غير مصحوب، بينهم فتيات، من سبتة إلى مراكز استقبال في شبه الجزيرة الإسبانية، في ظل استمرار الضغط على مرافق استقبال القاصرين.
ملف إنساني يتجاوز الحدود
وتضع قضية الجثامين مجهولة الهوية السلطات المغربية والإسبانية أمام مسؤولية مشتركة تتجاوز الاعتبارات المرتبطة بإدارة الحدود والهجرة غير النظامية.
فبينما تظل معالجة أزمة سبتة مرتبطة بالأمن والهجرة وتنظيم الحدود، يبرز ملف الضحايا والمفقودين باعتباره قضية إنسانية وحقوقية مستقلة، تتعلق بحق الأسر في معرفة مصير أبنائها وحق المتوفين في تحديد هوياتهم ودفنهم بكرامة.
ومن هذا المنظور، تركز المطالب الحقوقية المغربية على ضرورة عدم اختزال الجثامين في أرقام أو ملفات إدارية، والعمل على تطوير تعاون مغربي ـ إسباني في مجال الطب الشرعي وتحديد الهوية وتبادل بيانات المفقودين.
ويبقى التحدي الأكبر أمام السلطات في المرحلة المقبلة هو الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الهويات، وإتاحة المعلومات للأسر، وتسليم الجثامين التي يتم التعرف عليها إلى ذويها أو إعادتها إلى المغرب، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
فوراء كل جثمان مجهول، أسرة تنتظر جوابا عن مصير أحد أفرادها؛ ولذلك فإن إغلاق الملف الإداري بالدفن لا يعني بالضرورة إغلاق الملف الإنساني.





