تراجعت مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي إلى أدنى مستوى لها منذ 15 عاما، مع اقتراب موسم الشتاء وتصاعد الضغوط على أسواق الطاقة.
وتؤدي اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار الغاز وتباطؤ عمليات التخزين، ما يزيد مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة في شتاء 2026-2027.
وبحسب صحيفة «لوموند»، بلغت مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي نحو65% من الطاقة الاستيعابية في بداية سبتمبر، وهو أدنى مستوى لهذه الفترة منذ 15 عاما.
وعادة ما تبدأ الدول الأوروبية منذ الربيع في تخزين الغاز استعدادا لارتفاع الطلب في فصل الشتاء. لكن اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط عرقلت هذه العملية.
وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، ما دفع أسعار الغاز إلى الارتفاع بشكل حاد.
وفي ظل ارتفاع الأسعار، قلل موردو الطاقة الأوروبيون من عمليات الشراء، على أمل استقرار السوق وتراجع الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وقالت آن-صوفي كوربو، خبيرة الغاز في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن السوق كان يتوقع استئناف الصادرات القطرية وانخفاض أسعار الغاز قبل الشتاء.
لكن هذا السيناريو لم يتحقق، ما يزيد خطر دخول أوروبا موسم البرد دون مخزونات كافية لتوفير هامش أمان. ويمكن للغاز المخزن تحت الأرض أن يغطي في الأشهر الباردة ما يصل إلى ثلث استهلاك الاتحاد الأوروبي.
وبحسب حسابات «بلومبرغ»، تحتاج أوروبا إلى شراء أكثر من 100 تيراواط/ساعة من الغاز، بقيمة تتجاوز 7 مليارات يورو بالأسعار الحالية، للوصول إلى مستوى تخزين لا يقل عن 75% قبل بدء موسم التدفئة.
ويتطلب تحقيق هذا الهدف تسريع وتيرة ضخ الغاز إلى مرافق التخزين، بمستويات لم تشهدها الفترة نفسها من العام منذ أزمة الطاقة في 2022. وقد يؤدي ذلك إلى دفع أسعار الغاز نحو مزيد من الارتفاع.
ولا يتمثل الخطر الأكبر على أوروبا بالضرورة في نقص الغاز، بل في ارتفاع أسعاره وتأثير ذلك على فواتير الطاقة للأسر والشركات.
وارتفع سعر العقود الآجلة للغاز في سوق مرفق نقل الملكية الهولندي (TTF)، وهو السعر المرجعي للغاز في أوروبا، إلى نحو 73 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
ويمثل هذا المستوى أعلى سعر للغاز في السوق الأوروبية منذ نحو ثلاث سنوات ونصف.
وفي حال استمرت اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط خلال شتاء 2026-2027، قد تضطر أوروبا إلى دفع أسعار أعلى لجذب شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وتوقع محللو مورغان ستانلي أن تصل أسعار الغاز إلى نحو 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة إذا استمرت اضطرابات الإمدادات.
- تفاوت مستويات التخزين بين الدول
وتختلف مستويات مخزونات الغاز بشكل كبير بين دول الاتحاد الأوروبي، إذ تواجه بعض أكبر الاقتصادات الأوروبية مستويات تخزين منخفضة.
وتبلغ مخزونات ألمانيا، التي تمتلك أكبر منظومة لتخزين الغاز في أوروبا، نحو 53% من طاقتها، بينما لا تتجاوز النسبة في هولندا 47%.
في المقابل، تبدو فرنسا في وضع أفضل، إذ تصل مخزونات الغاز لديها إلى نحو 72% من الطاقة الاستيعابية.
وقال رئيس لجنة تنظيم الطاقة الفرنسية إيمانويل وارغون إن كامل قدرة التخزين في البلاد تم حجزها من قبل الشركات، مع التزامات بإعادة ملء المخزونات.
وأضاف أن الجهة المنظمة الفرنسية تتمتع بثقة نسبية في قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من الغاز خلال الشتاء.
لكن الترابط الوثيق بين أسواق الغاز الأوروبية يعني أن الصعوبات التي تواجه دولة واحدة يمكن أن تؤثر على بقية دول الاتحاد.
وقد تضطر ألمانيا، في حال استمرار انخفاض مخزوناتها، إلى زيادة وارداتها من الغاز بشكل حاد خلال الشتاء. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة المنافسة بين الدول الأوروبية والآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال في السوق الفورية.
- أوروبا أقل اعتمادا على الغاز
ورغم الضغوط الحالية، أصبحت أوروبا أقل اعتمادا على الغاز مقارنة بعام 2022، عندما تسببت الحرب الروسية الأوكرانية في أزمة طاقة حادة.
وبحسب بيانات معهد بروغل، انخفض استهلاك الغاز في الاتحاد الأوروبي بنسبة 17% في الفترة بين 2021 و2025.
ويرتبط هذا الانخفاض بتحسن كفاءة استهلاك الطاقة لدى الأسر والشركات، إلى جانب ارتفاع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء.
وقد يساعد الطقس أيضا في تخفيف الضغوط على سوق الغاز خلال الشتاء المقبل.
وبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ظهرت مؤشرات على ظاهرة قوية من النينيو قد تستمر حتى فبراير 2027.
ومن المتوقع أن تؤدي الظاهرة إلى ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا فوق معدلاتها المعتادة، ما قد يقلل الطلب على التدفئة واستهلاك الغاز.
ومع ذلك، تظل أسعار الغاز أحد أبرز مصادر المخاطر على الأسر والاقتصادات الأوروبية خلال شتاء 2026-2027.
ويزيد استمرار اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط من احتمالات ارتفاع الأسعار، في وقت لا تزال فيه مخزونات الغاز عند مستويات منخفضة تاريخيا.




