لم تعد المواجهات المتصاعدة في اليمن محصورة في خطوط القتال الداخلية، بعدما امتدت إلى العمق السعودي واستهدفت مواقع مدنية واقتصادية ومنشآت للطاقة، في وقت تحاول فيه القوات الموالية للحكومة اليمنية دفع الحوثيين بعيدا عن الساحل الغربي ومضيق باب المندب. ومع سقوط أكثر من 300 قتيل ونزوح عشرات الآلاف خلال أيام، تقترب الحرب اليمنية مجددا من التحول إلى أزمة إقليمية مفتوحة على البحر الأحمر.
من جبهات اليمن إلى الأراضي السعودية
دخل التصعيد مرحلة جديدة الثلاثاء مع إعلان التحالف الذي تقوده السعودية أن هجمات حوثية استهدفت مدنا ومنشآت في جنوب المملكة، وأسفرت عن إصابة 73 مدنيا، بينهم نساء وأطفال.
وقال المتحدث باسم قوات التحالف تركي المالكي إن الهجمات استهدفت أعيانا مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، متوعدا باتخاذ إجراءات عسكرية لردع الحوثيين. وفي المقابل، أعلن الحوثيون أنهم استهدفوا مواقع بينها مطار أبها وقاعدة الملك خالد الجوية ومنشآت تابعة لشركة أرامكو في أبها وجازان. ولم يتسن بصورة مستقلة التحقق من حجم الأضرار التي أعلن عنها الطرفان.
وتزامن ذلك مع إعلان مصدر في وزارة الطاقة السعودية أن هجمات على منشآت للطاقة في المنطقة الجنوبية تسببت في اندلاع حرائق وتعليق مؤقت لبعض العمليات التشغيلية، مع تسجيل إصابات.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها تنقل المواجهة من ساحات القتال اليمنية إلى منشآت ذات أهمية اقتصادية وأمنية داخل السعودية، ما يرفع احتمالات انتقال الصراع إلى مستوى أوسع.
معركة باب المندب في قلب التصعيد
لكن خلف الهجمات المتبادلة توجد معركة أكثر أهمية تدور على الساحل الغربي لليمن: من يسيطر على الممر المؤدي إلى باب المندب؟
فالمضيق يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويربطه بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن ثم يشكل جزءا أساسيا من الطريق البحري الذي يصل آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
وتحاول القوات الموالية للحكومة اليمنية، المدعومة من السعودية، منع الحوثيين من توسيع نطاق سيطرتهم باتجاه الساحل ومناطق قريبة من المضيق، بينما يسعى الحوثيون، وفقا لتقييمات نقلتها وكالة فرانس برس، إلى تعزيز مواقعهم على هذا المحور.
وتكمن خطورة ذلك في أن السيطرة على مناطق محاذية لباب المندب تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على تهديد الملاحة التجارية وناقلات النفط والطاقة، خصوصا في ظرف إقليمي أصبحت فيه طرق تصدير الطاقة أكثر هشاشة.
لماذا أصبح باب المندب أكثر أهمية الآن؟
تضاعفت الأهمية الاستراتيجية للمضيق في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة في المنطقة.
فالحوثيون سبق أن استهدفوا سفنا في البحر الأحمر خلال الحرب في غزة، ما أدى إلى اضطراب حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
أما التطور الجديد فيتمثل في تزامن الهجوم البري الحوثي على الساحل الغربي مع تصعيد أوسع في المنطقة، بما في ذلك اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.
وهذا يخلق معادلة استراتيجية شديدة الحساسية: إذا أصبحت حركة الطاقة والتجارة مقيدة في هرمز من جهة، وواجهت تهديدا إضافيا في باب المندب من الجهة الأخرى، فإن قدرة دول الخليج على استخدام طرق التصدير البحرية تصبح أكثر تعرضا للضغط.
ولهذا لا ينظر إلى المعركة الحالية باعتبارها مجرد محاولة لتغيير خطوط السيطرة داخل اليمن، بل باعتبارها صراعا على موقع استراتيجي يمكن أن يؤثر في أمن الطاقة والتجارة الدولية.
هل تتحرك إيران عبر الحوثيين؟
هذه هي المسألة الأكثر حساسية في قراءة التصعيد الحالي.
فالوقائع تشير إلى أن الحوثيين مدعومون من إيران، وأن الجماعة تربط هجماتها على السعودية بما تصفه بالعدوان السعودي على اليمن. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل قرار عسكري حوثي يصدر مباشرة من طهران.
ويرى الباحث اليمني أحمد هزاع أن الهجوم الحوثي يمكن فهمه في سياق دعم إيران، خصوصا مع التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، بينما يحذر الباحث فارع المسلمي من اختزال القرار الحوثي في مجرد تنفيذ أجندة إيرانية، مشيرا إلى أن طهران تستطيع الاستفادة من الضغط الذي يمارسه الحوثيون على السعودية حتى من دون إدارة عملياتهم بشكل مباشر.
وهذا التفريق مهم لفهم طبيعة الصراع: إيران تملك مصلحة واضحة في امتلاك ورقة ضغط على السعودية والممرات البحرية، لكن الحوثيين يملكون أيضا حساباتهم المحلية الخاصة المرتبطة بموازين القوى داخل اليمن.
الهدنة التي انتهت.. والقدرات التي تغيرت
تأتي المواجهات الحالية بعد سنوات من انخفاض كبير في مستوى القتال المباشر.
فالهدنة التي بدأت عام 2022 ساهمت في تجميد خطوط المواجهة الرئيسية، لكنها لم تؤد إلى تسوية سياسية نهائية. وخلال فترة الهدوء، تمكن الحوثيون، وفقا لتحليلات نقلتها فرانس برس، من إعادة تنظيم قواتهم وتطوير قدراتهم العسكرية والتكنولوجية.
وفي المقابل، ظل المعسكر المناهض للحوثيين يعاني من الانقسامات وتعدد القوى والمكونات المسلحة، وهو عامل يضعف قدرته على العمل كقوة عسكرية موحدة.
وهكذا فإن انهيار الهدنة لا يعيد الحرب بالضرورة إلى ظروفها السابقة؛ فالأطراف تدخل الجولة الجديدة بقدرات عسكرية وخبرات مختلفة، بينما أصبح الحوثيون أكثر خبرة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف الملاحة.
أكثر من 300 قتيل وعشرات الآلاف من النازحين
والثمن الإنساني للتصعيد يرتفع بسرعة.
فالمواجهات التي تصاعدت منذ الثالث من شتنبر خلفت أكثر من 300 قتيل وفقا للمعطيات التي أوردتها وكالة فرانس برس، فيما أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن القتال على الساحل الغربي وفي محافظتي تعز والحديدة أدى إلى نزوح نحو 18,500 شخص خلال 72 ساعة حتى السابع من شتنبر.
كما أشارت تقديرات صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد القتلى والجرحى منذ 24 غشت بلغ نحو 1,078 شخصا، بينما تجاوز عدد النازحين منذ الخميس 21 ألفا وفقا لمعطيات نقلتها وسائل إعلام عن المنظمة. ويعكس اختلاف الأرقام اختلاف الفترات الزمنية ومصادر الإحصاء، وليس بالضرورة تناقضا بينها.
ويحذر هذا التصعيد من إعادة إنتاج واحدة من أكثر مراحل الحرب اليمنية كلفة على المدنيين، خصوصا أن كثيرا من الأسر النازحة سبق أن تعرضت للنزوح مرات متعددة.
ماذا بعد التهديد السعودي بالرد؟
أخطر ما في التطورات الأخيرة أن الطرفين باتا أمام دائرة تصعيد متبادلة.
فالحوثيون يربطون هجماتهم على السعودية بالضربات التي يقولون إن الرياض تشنها في اليمن، بينما تعتبر السعودية الهجمات الحوثية انتهاكا لسيادتها وتهديدا مباشرا للمدنيين والمنشآت الاقتصادية.
وقد أعلنت الرياض أنها ستتخذ “كافة الإجراءات” اللازمة للرد، ما يفتح الباب أمام احتمال زيادة الغارات على مواقع الحوثيين داخل اليمن. وفي المقابل، يمكن أن يرد الحوثيون بمزيد من الهجمات الصاروخية والمسيّرات أو باستهداف الملاحة والمنشآت النفطية.
وهنا تكمن المعضلة: كل ضربة جديدة يمكن أن تتحول إلى مبرر للضربة التالية، بما يصعب العودة إلى مسار تفاوضي قبل أن تتسع دائرة التصعيد.
ثلاثة مسارات محتملة
يمكن قراءة التطورات الحالية عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول: احتواء سريع للتصعيد.
قد تتدخل أطراف إقليمية ودولية لمنع تحول المعارك إلى حرب واسعة، خصوصا إذا اتضح أن السيطرة على باب المندب أو استهداف منشآت الطاقة ستؤدي إلى اضطراب كبير في التجارة العالمية.
الثاني: حرب استنزاف جديدة.
قد تستمر المعارك في خطوط متغيرة داخل اليمن، بالتوازي مع ضربات حوثية محدودة على السعودية والمنشآت المرتبطة بالطاقة والملاحة، وردود عسكرية سعودية، من دون أن ينجح أي طرف في تحقيق حسم سريع.
الثالث: تحول الصراع إلى أزمة إقليمية أوسع.
وهو السيناريو الأكثر خطورة، في حال أصبحت جبهتا هرمز وباب المندب جزءا من مواجهة إقليمية واحدة، بحيث تتداخل الحرب اليمنية مع الصراع الأوسع بين إيران وخصومها.
المعركة الحقيقية تتجاوز اليمن
ما يحدث في اليمن حاليا لا يتعلق فقط بمن يسيطر على مدينة أو محافظة.
فالمعركة تدور في منطقة تلتقي فيها الحرب الأهلية اليمنية، والصراع السعودي ـ الحوثي، والنفوذ الإيراني، وأمن البحر الأحمر، وتدفقات الطاقة العالمية.
ولهذا فإن محاولة الحوثيين الاقتراب من باب المندب، بالتزامن مع استهداف الأراضي والمنشآت السعودية، تجعل الجولة الحالية مختلفة عن مجرد عودة القتال بعد هدنة طويلة.
ويبقى السؤال الأهم خلال الأيام المقبلة: هل ستتوقف المواجهة عند حدود إعادة رسم موازين القوى داخل اليمن، أم أن باب المندب سيصبح نقطة انطلاق لمواجهة إقليمية جديدة تمتد آثارها إلى أمن الطاقة والملاحة الدولية؟





