كشفت دراسة مغربية حديثة عن تسجيل 848 حالة تسمم بالميثانول في المغرب بين عامي 1981 و2024، أسفرت عن وفاة 110 أشخاص، أي بمعدل وفيات بلغ نحو 13 في المائة، في معطيات تسلط الضوء على المخاطر الصحية المرتبطة خصوصاً بالكحول المغشوش والمنتجات الكحولية المنتجة أو الموزعة خارج القنوات الرسمية.
وحملت الدراسة، المنشورة في سبتمبر 2026 بمجلة Toxicologie Analytique et Clinique، عنوان «تسمم الميثانول في المغرب (1981-2024): العبء، التفشيات وإدارة المخاطر»، وأُنجزت من قبل باحثين من المركز المغربي لمحاربة التسمم وكلية الطب والصيدلة بجامعة محمد الخامس بالرباط.
واعتمد الباحثون في هذا العمل، الذي وصف بأنه أول تحليل شامل طويل الأمد لتسمم الميثانول في المغرب، على بيانات مركز اليقظة الدوائية التابع للمركز المغربي لمحاربة التسمم، بهدف دراسة الخصائص الوبائية للحالات، وتوثيق حالات التفشي الجماعي، وتحليل ظروف التعرض والمنتجات المتورطة والنتائج السريرية، إلى جانب تقييم إجراءات إدارة المخاطر.
الكحول المغشوش وراء معظم الحالات
وأظهرت بيانات الدراسة أن الكحول المغشوش كان مرتبطاً بنحو 45 في المائة من حالات التسمم المسجلة، بينما ارتبط الكحول الصناعي الملوث بالميثانول بـ42 في المائة منها.
أما المشروبات الكحولية المقطرة فارتبطت بنحو 8 في المائة من الحالات، في حين مثلت المنتجات التي تحتوي على الميثانول ولم يتم تحديد نوعها نحو 5 في المائة.
وبذلك، ارتبط الكحول المغشوش والكحول الصناعي الملوث بالميثانول مجتمعين بنحو 87 في المائة من الحالات الموثقة في قاعدة البيانات التي اعتمدتها الدراسة.
2024 .. أعلى حصيلة سنوية خلال فترة الدراسة
سجلت حالات التسمم ارتفاعين رئيسيين خلال فترة الدراسة، إذ بلغ عدد الحالات 88 حالة عام 1997، قبل أن يرتفع إلى 201 حالة عام 2024، وهي أعلى حصيلة سنوية مسجلة خلال السنوات الـ44 التي شملها البحث.
وتزامنت حصيلة 2024 مع عدد من حوادث التسمم الخطيرة، من بينها التفشي الجماعي الذي شهدته سيدي علال التازي بإقليم القنيطرة في يونيو من العام نفسه.
وكانت السلطات الصحية قد أعلنت في بداية الحادث عن تسجيل 114 حالة تسمم و8 وفيات، قبل أن ترتفع حصيلة الوفيات لاحقاً إلى 16 وفاة، مع تأكيد ارتباط الحالات باستهلاك مادة كحولية سامة تحتوي على الميثانول.
وتؤكد الدراسة أن 201 حالة المسجلة عام 2024 لا تخص حادث سيدي علال التازي وحده، وإنما تشمل مجموع الحالات المؤكدة التي أُدرجت في السجل الوطني لمركز اليقظة الدوائية خلال تلك السنة.
11 تفشياً جماعياً ومضاعفات قد تصل إلى العمى
حدد الباحثون 11 تفشياً جماعياً لتسمم الميثانول خلال فترة الدراسة، تراوحت معدلات الوفاة خلالها بين 6 و100 في المائة.
وكان غالبية المصابين من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و45 عاماً، فيما سجلت الدراسة مضاعفات صحية خطيرة، خصوصاً على مستوى العين، شملت حالات من فقدان البصر.
ويُستخدم الميثانول في عدد من التطبيقات الصناعية، من بينها كمذيب ومضاد للتجمد ووقود. ويمكن أن يحدث التعرض البشري له، وفق الدراسة، خصوصاً عبر ابتلاع منتجات تحتوي عليه، ولا سيما المشروبات الكحولية المغشوشة.
وقد يؤدي التسمم بالميثانول إلى اضطرابات بصرية خطيرة، وفشل في وظائف الأعضاء، وتسمم شديد، والوفاة.
وتشير الدراسة إلى أن بعض المشروبات المقطرة المنتجة خارج القنوات الخاضعة للرقابة، ومن بينها «الماحيا» المصنوعة تقليدياً من التين أو التمر، يمكن أن ترتبط بمخاطر التسمم عندما لا تخضع عمليات الإنتاج والمراقبة للمعايير اللازمة.
دعوة إلى تشديد الرقابة وتوفير العلاج
ويرى الباحثون أن إنتاج وتوزيع الكحول خارج القنوات الرسمية يمثلان أحد العوامل الرئيسية المرتبطة بتفشيات تسمم الميثانول التي تم توثيقها.
ودعت الدراسة إلى تشديد الرقابة على إنتاج وتوزيع الكحول الصناعي والحرفي، وتعزيز حملات التوعية بمخاطر المنتجات غير الرسمية، إلى جانب ضمان توفر العلاجات المضادة لتسمم الميثانول، خصوصاً الفوميبيزول والإيثانول، وتحسين إمكانية اللجوء إلى غسيل الكلى في الحالات الشديدة.
كما أوصى الباحثون باعتماد بروتوكولات موحدة للتشخيص والعلاج، وتنفيذ حملات وقائية تستهدف الفئات الأكثر عرضة للخطر.
أرقام لا تمثل بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة
وحذر الباحثون من أن الأرقام التي توصلت إليها الدراسة لا تمثل بالضرورة جميع حالات التسمم بالميثانول التي وقعت في المغرب خلال الفترة الممتدة من 1981 إلى 2024، باعتبار أنها تستند إلى الحالات المؤكدة والمسجلة في قاعدة بيانات مركز اليقظة الدوائية.
وبذلك، تقدم الدراسة صورة موثقة عن الحالات التي أمكن رصدها وتسجيلها رسمياً، في وقت لا تزال فيه البيانات الوبائية المنشورة حول تسمم الميثانول في المغرب نادرة ومجزأة، رغم تكرر حالات التفشي الجماعي خلال العقود الأربعة الماضية.





