صلاح الدين بويخف*
يجد المغرب نفسه أمام وضع سياسي ومالي دقيق، مع اقتراب الموعد القانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027، المحدد في 20 أكتوبر الجاري، في وقت لم يكتمل فيه بعد تشكيل الحكومة الجديدة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الماضي.
وبينما تتواصل الترتيبات السياسية والمؤسساتية لتشكيل الحكومة، تبرز تساؤلات قانونية حول الجهة المخول لها المصادقة على مشروع الميزانية وإحالته على البرلمان، ومدى إمكانية احترام الآجال القانونية، والانعكاسات المحتملة لأي تأخير على تدبير المالية العمومية وتنفيذ البرامج الاقتصادية والاجتماعية.
وتعيد هذه الوضعية إلى الأذهان تجربة سنة 2017، حين أدى تعثر تشكيل الحكومة إلى تأخر المصادقة على قانون المالية إلى شهر يونيو، ما اضطر الدولة إلى اعتماد تدابير استثنائية لضمان استمرارية المرافق العمومية.
حكومة لم تتشكل بعد.. والموعد القانوني يقترب
في أعقاب انتخابات 23 شتنبر 2026، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الفريق الحكومي الجديد، وفق مقتضيات الفصل 47 من الدستور.
وبعد جولات من المشاورات، أُعلن يوم 12 أكتوبر عن تشكيل أغلبية حكومية تضم أربعة أحزاب، هي الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.
غير أن إعلان التحالف السياسي لا يعني اكتمال تشكيل الحكومة من الناحية الدستورية، إذ يتعين تعيين أعضائها من طرف الملك، باقتراح من رئيسة الحكومة، ثم عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان للحصول على ثقة مجلس النواب، وفق الفصل 88 من الدستور.
وفي 14 أكتوبر، استقبل الملك محمد السادس رئيسة الحكومة المكلفة، التي أطلعته، بحسب بلاغ للديوان الملكي، على المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة.
وفي انتظار استكمال هذه الإجراءات، يقترب موعد إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027، بينما تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأمور الجارية.
ورغم أن وزارة الاقتصاد والمالية سبق أن باشرت التحضير التقني للمشروع، وقدمت في 22 يوليوز الماضي عرضاً أمام لجنتي المالية بالبرلمان حول تنفيذ ميزانية 2026 والإطار العام لإعداد مالية 2027، ثم نُشرت المذكرة التوجيهية الخاصة بالمشروع يوم 12 غشت، فإن هذه الأعمال التحضيرية لا تعوض إجراءات المصادقة المؤسساتية المطلوبة.
ماذا يقول القانون بشأن إيداع مشروع الميزانية؟
تنص المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية على إيداع مشروع قانون المالية للسنة بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، في 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير.
وقبل هذه المرحلة، يحدد الدستور مساراً مؤسساتياً يتضمن التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية داخل المجلس الوزاري، طبقاً للفصل 49، ثم التداول في المشروع داخل مجلس الحكومة، وفق الفصل 92، قبل إحالته على البرلمان.
وبعد الإيداع، تحدد المادة 49 من القانون التنظيمي ذاته أجل 30 يوماً لمجلس النواب للبت في المشروع، و22 يوماً لمجلس المستشارين، قبل عودة النص إلى مجلس النواب للبت النهائي فيه داخل أجل لا يتجاوز ستة أيام.
غير أن الإشكال الحالي لا يرتبط بالآجال البرلمانية وحدها، بل بالجهة التي تملك الصلاحية القانونية للمصادقة على المشروع قبل إيداعه.
فهل تستطيع حكومة تصريف الأعمال المصادقة على مشروع قانون المالية لسنة كاملة، يتضمن اختيارات مالية واقتصادية قد تلزم الحكومة المقبلة؟ أم أن ذلك يدخل ضمن الاختصاصات التي ينبغي أن تمارسها حكومة جديدة حاصلة على الثقة البرلمانية؟
حكومة تصريف الأعمال.. صلاحيات محدودة واستثناء يثير النقاش
ينظم القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها هذه المسألة.
فبموجب المادة 36، تستمر الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل حكومة جديدة.
أما المادة 37، فتعتبر من الأمور الجارية اتخاذ المراسيم والقرارات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة لضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة وانتظام سير المرافق العمومية.
وفي المقابل، تستبعد المادة نفسها التدابير التي من شأنها إلزام الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة، وخاصة المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيينات في المناصب العليا.
وبناء على هذا المقتضى، تطرح المصادقة على مشروع قانون المالية من طرف الحكومة المنتهية مهامها إشكالاً قانونياً، باعتباره مشروع قانون يتضمن اختيارات تتجاوز التدبير الإداري اليومي.
لكن المسألة ليست محسومة بصورة مطلقة.
غير أن المجلس الدستوري، في قراره رقم 955/15 الصادر بتاريخ 4 مارس 2015، والمتعلق بمراقبة دستورية القانون التنظيمي رقم 065.13، اعتبر أنه يتعين عند تطبيق مقتضيات المادة 37 مراعاة ما قد تستلزمه حالات الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية لمواجهتها.
ومع ذلك، فإن هذا القرار لم يحسم صراحة في إمكانية مصادقة حكومة تصريف الأعمال على مشروع قانون مالية سنوي بكامله، وإنما أقر مبدأ مراعاة حالات الضرورة عند تطبيق القيود القانونية المفروضة على الحكومة المنتهية مهامها.
ومن ثم، يظل التساؤل مطروحاً حول ما إذا كان اقتراب أجل 20 أكتوبر، أو احتمال تعذر احترامه، يشكل في حد ذاته حالة ضرورة تبرر اتخاذ مثل هذا الإجراء، أم أن الضرورة تستدعي تدابير محددة لا تتجاوز ما يلزم لضمان استمرارية الدولة ومرافقها، دون المساس بصلاحيات الحكومة المقبلة.
ويزداد الإشكال تعقيداً إذا جرى تعيين أعضاء الحكومة الجديدة دون حصولها بعد على ثقة البرلمان، إذ تقيد المادة 38 من القانون التنظيمي ذاته صلاحيات الحكومة المعينة وغير المنصبة، وتحصرها أساساً في إعداد البرنامج الحكومي واتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية.
وبذلك، فإن التعيين الملكي لأعضاء الحكومة لا يكفي، بمفرده، لاعتبارها حكومة منصبة تمارس كامل صلاحياتها، إذ يظل حصولها على ثقة مجلس النواب، وفق الفصل 88 من الدستور، مرحلة دستورية مستقلة تترتب عنها آثار قانونية على نطاق اختصاصاتها.
ويطرح هذا الوضع تساؤلاً إضافياً بشأن إمكانية تداول حكومة جرى تعيين أعضائها، لكنها لم تحصل بعد على الثقة البرلمانية، في مشروع قانون المالية والمصادقة عليه، بالنظر إلى طبيعة الاختيارات المالية والاقتصادية التي يتضمنها ومدى انسجامها مع الحدود القانونية لاختصاصات الحكومة غير المنصبة.
سابقة 2017.. عندما استمر المغرب أشهراً دون قانون مالية مصادق عليه
لفهم طبيعة التحديات الحالية، تبرز تجربة قانون المالية لسنة 2017 باعتبارها إحدى أبرز السوابق التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
ففي سنة 2016، صادقت حكومة عبد الإله بنكيران، خلال اجتماع مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 4 أكتوبر، على مشروع قانون المالية رقم 73.16 للسنة المالية 2017، الذي أُودع بمكتب مجلس النواب يوم 6 أكتوبر 2016، أي قبل يوم واحد من الانتخابات التشريعية التي جرت في 7 أكتوبر من السنة نفسها.
وهكذا، كان مشروع قانون المالية قد استكمل مرحلة المصادقة الحكومية والإيداع البرلماني قبل إجراء الانتخابات، وهو ما يشكل فارقاً جوهرياً مقارنة بالوضعية المحتملة لسنة 2027، التي يطرح فيها التساؤل حول إمكانية استكمال هذه الإجراءات داخل الأجل القانوني.
لكن نتائج انتخابات 2016 وما تلاها من صعوبات في تشكيل الأغلبية الحكومية أدت إلى تأخر استكمال المسطرة البرلمانية.
واستمرت أزمة تشكيل الحكومة عدة أشهر، إلى أن جرى تعيين حكومة سعد الدين العثماني في أبريل 2017، وحصلت على ثقة مجلس النواب يوم 26 أبريل من السنة نفسها.
بعد ذلك، استؤنف المسار البرلماني لقانون المالية، حيث قدم وزير الاقتصاد والمالية المشروع أمام البرلمان يوم 27 أبريل، وصادق عليه مجلس النواب في قراءة أولى يوم 12 ماي، ثم مجلس المستشارين يوم فاتح يونيو، قبل أن يصادق عليه مجلس النواب نهائياً في قراءة ثانية يوم 6 يونيو 2017.
وصدر الظهير الشريف رقم 1.17.13 بتنفيذ قانون المالية رقم 73.16 يوم 9 يونيو، ونُشر القانون بالجريدة الرسمية عدد 6577 بتاريخ 12 يونيو 2017.
وهكذا، لم يُنشر قانون المالية لسنة 2017 في الجريدة الرسمية إلا بتاريخ 12 يونيو، أي خلال الشهر السادس من السنة المالية، بعد مرور خمسة أشهر وأحد عشر يوماً على بدايتها، مع مراعاة تواريخ سريان بعض مقتضياته الخاصة.
لكن ما الذي حدث خلال تلك الفترة؟ وهل توقفت الدولة عن صرف النفقات؟
الجواب هو أن الدستور والقانون التنظيمي لقانون المالية يتيحان آلية استثنائية تضمن استمرارية النشاط المالي والإداري للدولة عند تعذر المصادقة على الميزانية في الوقت المحدد.
فبتاريخ 15 دجنبر 2016، صادق مجلس الحكومة برئاسة عبد الإله بنكيران على مشروعي مرسومين يتعلقان بفتح الاعتمادات المالية الضرورية لسير المرافق العمومية واستخلاص بعض الموارد خلال سنة 2017.
ويتعلق الأمر بالمرسوم رقم 2.16.1010 الخاص بفتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، والمرسوم رقم 2.16.1011 المتعلق باستخلاص بعض الموارد، وقد صدرا بتاريخ 31 دجنبر 2016.
ومكّنت هذه الآلية الدولة من مواصلة تنفيذ النفقات العمومية ضمن الحدود والإجراءات التي حددها المرسومان، بما يشمل اعتمادات التسيير والاستثمار والنفقات المرتبطة بخدمة الدين العمومي، فضلاً عن تدبير استخلاص الموارد وفق القواعد القانونية المعمول بها.
واستندت هذه التدابير الاستثنائية إلى مشروع قانون المالية رقم 73.16، الذي سبق إيداعه لدى مجلس النواب بتاريخ 6 أكتوبر 2016، مما أتاح اعتماد الاعتمادات المقترحة فيه مرجعاً للتدبير المالي خلال الفترة الانتقالية.
وتبرز هذه السابقة فرقاً مهماً بين سنتي 2017 و2027: ففي الحالة الأولى، كان مشروع الميزانية قد أُودع بالفعل أمام البرلمان قبل الانتخابات، بينما يتمثل التحدي المطروح حالياً في احتمال عدم استكمال إجراءات المصادقة والإيداع داخل الأجل القانوني.
تجربة 2021.. انتقال حكومي دون تأخير إيداع الميزانية
وإذا كانت سنة 2017 تقدم مثالاً على التأخر في المصادقة على قانون المالية بسبب أزمة تشكيل الحكومة، فإن تجربة سنة 2021 تقدم نموذجاً مختلفاً لانتقال السلطة التنفيذية خلال الفترة المخصصة لإعداد الميزانية.
فبعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 8 شتنبر 2021، جرى تعيين أعضاء حكومة عزيز أخنوش يوم 7 أكتوبر من السنة نفسها، قبل أن تحصل على ثقة مجلس النواب بتاريخ 13 أكتوبر.
وبعد استكمال هذه المراحل، أودعت الحكومة مشروع قانون المالية رقم 76.21 للسنة المالية 2022 بمكتب مجلس النواب يوم 18 أكتوبر 2021، أي قبل يومين من انقضاء الأجل المحدد في القانون التنظيمي لقانون المالية.
وتوضح هذه السابقة أن تزامن تشكيل حكومة جديدة مع إعداد قانون المالية لا يؤدي بالضرورة إلى تجاوز الآجال القانونية، شريطة استكمال الإجراءات المؤسساتية في الوقت المناسب.
وبين سيناريو 2017، الذي شهد تأخراً امتد إلى شهر يونيو، وتجربة 2021، التي احترمت موعد الإيداع، تبرز أهمية عامل الزمن وسرعة تشكيل الحكومة في تحديد المسار المحتمل لمشروع مالية 2027.
ما السيناريوهات المحتملة بالنسبة لقانون مالية 2027؟
تفتح الوضعية الحالية عدة احتمالات، تبقى مرتبطة بسرعة استكمال تشكيل الحكومة وطبيعة المعالجة المؤسساتية والقانونية التي سيتم اعتمادها.
السيناريو الأول: تشكيل الحكومة واستكمال المسطرة قبل 20 أكتوبر
يفترض هذا الاحتمال تعيين الفريق الحكومي الجديد وحصوله على الثقة البرلمانية واستكمال الإجراءات المتعلقة بمشروع قانون المالية، وصولاً إلى إيداعه داخل الأجل القانوني.
غير أن ضيق المدة المتبقية يجعل هذا المسار مرتبطاً بوتيرة سريعة في استكمال الإجراءات المؤسساتية، فضلاً عن قدرة الحكومة الجديدة على مراجعة المشروع المعد مسبقاً وإدماج أولويات برنامجها السياسي والاقتصادي.
السيناريو الثاني: تجاوز موعد 20 أكتوبر وإيداع المشروع لاحقاً
إذا تعذر استكمال تشكيل الحكومة وتنصيبها قبل الموعد المحدد، فقد يتأخر إيداع مشروع القانون إلى حين توفر حكومة قادرة على مباشرة صلاحياتها كاملة.
ولا ينص القانون التنظيمي رقم 130.13 على تمديد تلقائي لأجل 20 أكتوبر بسبب تأخر تشكيل الحكومة، كما لا يرتب صراحة بطلان المشروع لمجرد تجاوز موعد الإيداع.
ومن شأن هذا الوضع إثارة نقاش قانوني ومؤسساتي حول كيفية التوفيق بين احترام الآجال المنصوص عليها قانوناً وضمان سلامة المسطرة الحكومية والبرلمانية.
السيناريو الثالث: اللجوء إلى تدابير استثنائية بدعوى الضرورة
قد يطرح النقاش حول إمكانية اعتماد تدابير استثنائية، استناداً إلى تفسير المجلس الدستوري للمادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13.
لكن هذا الاحتمال يثير سؤالاً حساساً: هل تشكل صعوبة احترام أجل إعداد الميزانية، في حد ذاتها، ضرورة تبرر تدخل حكومة تصريف الأعمال في مجال يدخل أصلاً ضمن اختصاص حكومة كاملة الصلاحيات؟
ويتوقف الجواب على التكييف القانوني للضرورة وحدود الإجراءات المزمع اتخاذها، ولا يمكن اعتبار هذا المسار نتيجة تلقائية لاقتراب الموعد.
السيناريو الرابع: حلول سنة 2027 دون اعتماد قانون المالية
إذا امتد التأخر إلى نهاية دجنبر 2026، فقد تبرز الحاجة إلى تفعيل الفصل 75 من الدستور والمادة 50 من القانون التنظيمي رقم 130.13.
وتتيح هذه المقتضيات، وفق الشروط المحددة قانوناً، إمكانية فتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بمهامها بواسطة مرسوم، إذا لم يتم التصويت على قانون المالية قبل نهاية السنة المالية أو تعذر إصدار الأمر بتنفيذه بسبب إحالته إلى المحكمة الدستورية.
غير أن هذا السيناريو يثير إشكالاً قانونياً إضافياً إذا انتهت سنة 2026 دون إيداع مشروع قانون المالية أمام البرلمان، ذلك أن الفصل 75 من الدستور والمادة 50 من القانون التنظيمي رقم 130.13 يربطان فتح الاعتمادات بمرسوم بالاعتمادات المقترحة في الميزانية المعروضة على الموافقة.
وفي سابقة سنة 2017، كان مشروع قانون المالية مودعاً بالفعل منذ 6 أكتوبر 2016، وهو ما سمح بالاستناد إلى الاعتمادات الواردة فيه لتفعيل آلية الاستمرارية المالية. أما في حالة غياب مشروع معروض أصلاً على البرلمان، فتطرح مسألة تحديد الأساس القانوني والميزانياتي الذي يمكن الاستناد إليه لتطبيق الآلية نفسها.
ولا تقدم المقتضيات المذكورة جواباً صريحاً عن جميع الجوانب الإجرائية لهذه الفرضية، مما يجعلها موضوعاً لتفسير قانوني ومعالجة مؤسساتية دقيقة، دون أن يعني ذلك افتراض توقف مرافق الدولة أو تعليق جميع النفقات العمومية بصورة تلقائية.
وبالتالي، فإن المقارنة بين سنتي 2017 و2027 لا تقتصر على مسألة التأخر في المصادقة على قانون المالية، بل تشمل أيضاً مرحلة المسطرة التي قد يحدث فيها هذا التأخر، وما يترتب عنها من اختلاف في الأساس القانوني للتدابير المالية الاستثنائية.
ما التداعيات المحتملة لتأخر تشكيل الحكومة؟
لا تقتصر التداعيات المحتملة على تأخر المصادقة على وثيقة الميزانية، بل قد تمتد إلى جوانب أخرى من التدبير العمومي.
أولاً، تأخر تنزيل البرنامج الحكومي الجديد. فعدم استكمال تشكيل الحكومة وتنصيبها قد يؤخر اعتماد اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وترجمة الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو القدرة الشرائية أو السكن أو الخدمات الاجتماعية.
ثانياً، صعوبة إدماج الأولويات الجديدة في الميزانية. فمشروع مالية 2027 جرى التحضير له انطلاقاً من توجيهات الحكومة السابقة، في حين قد تحمل الأغلبية الجديدة تصوراً مختلفاً لبعض النفقات والتدابير الجبائية. وقد يؤدي ضغط الوقت إلى تقليص هامش إعادة ترتيب الأولويات أو تأجيل بعض الإجراءات إلى مراحل لاحقة.
ثالثاً، احتمال تأخر بعض المشاريع والاستثمارات العمومية. فرغم أن آليات الاستمرارية المالية تسمح بتدبير نفقات ضرورية، فإن إطلاق مشاريع جديدة أو تعديل برامج استثمارية كبرى قد يتطلب اعتمادات وترخيصات وقرارات حكومية لا يمكن افتراض توفرها تلقائياً في ظل التدبير الاستثنائي.
رابعاً، تعقيد البرمجة المالية للمؤسسات والقطاعات العمومية. فالتأخر في تحديد الاعتمادات النهائية قد يؤثر في وضوح الرؤية لدى بعض الإدارات والمؤسسات العمومية، خصوصاً بالنسبة للمشاريع متعددة السنوات وبرامج التوظيف والاستثمار.
خامساً، تأخر بعض التدابير الضريبية والمالية الجديدة. إذ إن الإجراءات المقترحة ضمن مشروع قانون المالية قد ترتبط بتاريخ محدد لدخولها حيز التنفيذ، ما يستدعي إعادة النظر في الجدولة الزمنية لبعضها إذا تأخرت المصادقة النهائية.
سادساً، ضغط أكبر على العمل التشريعي والرقابي. فقد يؤدي تراكم مراحل تشكيل الحكومة والتنصيب ومناقشة الميزانية إلى تقليص الوقت العملي المتاح لدراسة الخيارات المالية والتعديلات البرلمانية، دون أن يعني ذلك سقوط اختصاصات البرلمان الرقابية أو تعطيلها تلقائياً.
وتبقى هذه التداعيات احتمالات مرتبطة بمدة التأخير وطبيعة التدابير المتخذة، وليست نتائج حتمية، خصوصاً أن التشريع المغربي يتضمن آليات تهدف إلى ضمان استمرارية الدولة ومرافقها.
بين احترام الآجال واستمرارية الدولة.. اختبار مؤسساتي جديد
تكشف وضعية مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن تداخل ثلاثة اعتبارات أساسية: ضرورة احترام الجدولة القانونية للميزانية، وحدود صلاحيات الحكومة خلال المرحلة الانتقالية، ومتطلبات استمرارية العمل الإداري والمالي للدولة.
وتوضح تجربة 2017 أن عدم المصادقة على قانون المالية قبل بداية السنة لا يؤدي بالضرورة إلى توقف المؤسسات العمومية، لكنها تؤكد أيضاً أهمية التحضير المبكر للمسار الميزانياتي وتجنب انتقال التأخر السياسي إلى التدبير المالي.
ويبقى السؤال الأبرز مع اقتراب 20 أكتوبر: هل تسمح الأيام المتبقية باستكمال المسطرة المؤسساتية لمشروع مالية 2027، أم أن المغرب سيتجه نحو إيداع متأخر يفتح نقاشاً جديداً حول العلاقة بين الآجال القانونية وتشكيل الحكومات؟
وفي جميع الأحوال، فإن المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً لقدرة المؤسسات على التوفيق بين احترام المقتضيات الدستورية والقانونية وضمان استمرار المرافق العمومية وتنفيذ الالتزامات المالية للدولة، دون الإخلال بصلاحيات الحكومة المقبلة أو بالدور الرقابي والتشريعي للبرلمان.
*صلاح الدين بويخف: مدقق حسابات وحاصل على ماستر متخصص في التدبير المالي والمحاسبي والجبائي


