الدعم الاجتماعي مرشح للارتفاع إلى 1000 درهم، والحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم.. وبرامج جديدة للشباب والسكن القروي ضمن تعهدات الحكومة للفترة 2026-2031
وضعت رئيسة الحكومة تحسين القدرة الشرائية للأسر، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم، وإدماج الشباب في سوق الشغل، في صدارة أولويات البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي عرضته اليوم الاثنين أمام مجلسي البرلمان.
وتتضمن الوثيقة، التي تقدم التزامات الحكومة للسنوات الخمس المقبلة، مجموعة من الأهداف الرقمية والتدابير الاجتماعية، أبرزها رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً، إلى جانب إطلاق برنامج سنوي لتكوين 100 ألف شاب ومواكبة 100 ألف آخرين لاكتساب أول تجربة مهنية ابتداء من سنة 2027.
وتأتي هذه الالتزامات في سياق إقرار البرنامج بأن ثمار النمو والاستثمارات لم تصل بالقدر نفسه إلى جميع الفئات والمجالات، وأن التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية والعدالة المجالية ما تزال في صدارة انتظارات المواطنين.
القدرة الشرائية.. مواجهة الغلاء ودعم دخل الأسر
تضع الحكومة مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة ضمن أولوياتها الاجتماعية، من خلال إجراءات تستهدف تعزيز دخل الأسر، وضبط أسباب الغلاء، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية.
وفي هذا الإطار، تعتزم وضع خطط لتموين السوق بالمنتجات الاستراتيجية، وتقريب المنتج من المستهلك عبر شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، إلى جانب إصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك، وضبط العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية وفق قواعد معلنة ومستقرة.
كما يتضمن البرنامج إقرار تعويض اجتماعي تلقائي للأسر المستحقة، يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، بالنسبة إلى المسكن الرئيسي، من دون الحاجة إلى تقديم طلب ورقي أو التنقل إلى الإدارات.
وتعتزم الحكومة كذلك إطلاق إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل، بهدف رفع الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به.
وعلى المستوى الاقتصادي، يستهدف البرنامج تحقيق متوسط نمو سنوي قدره 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، مع حصر التضخم في حدود 2 في المائة سنوياً، باعتبار ذلك من مرتكزات حماية القدرة الشرائية والاستقرار الاقتصادي.
الدعم الاجتماعي.. مضاعفة القيمة المستهدفة إلى 1000 درهم
تتعهد الحكومة بمراجعة استهداف الدعم الاجتماعي على أساس الدخل الفعلي للأسر، ورفع قيمته من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية.
وتربط الوثيقة هذا التوجه بتحويل الدعم إلى رافعة للإدماج، مع توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل، وتسريع تعميم التغطية الصحية الفعلية وضمان استدامة التأمين الإجباري عن المرض.
ويعني ذلك أن البرنامج لا يقتصر على توسيع نطاق الاستفادة من الحماية الاجتماعية، بل يعلن أيضاً توجهاً نحو مراجعة شروط الاستهداف وتحسين قدرة المستفيدين على الولوج الفعلي إلى الخدمات.
غير أن بلوغ الأهداف المعلنة سيظل مرتبطاً بكيفية تنزيل التدابير، ومعايير الاستحقاق التي ستعتمد، والموارد المالية المرصودة لها.
المعاشات والأرامل.. رفع الحد الأدنى إلى 3000 درهم
يحتل إصلاح أنظمة التقاعد مكانة بارزة ضمن الالتزامات الاجتماعية للحكومة، التي تعتزم إطلاق إصلاح شامل بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.
وتؤكد الوثيقة أن الإصلاح لن يقتصر على تغيير سن التقاعد أو نسب الاشتراك وطريقة احتساب المعاش، بل سيستهدف بناء منظومة أكثر تماسكاً، وتوسيع الحماية لتشمل الأشخاص الذين لا يتوفرون على معاش، وتقريب الحقوق والواجبات بين الأنظمة، وضمان كفاية المعاشات واستدامة تمويلها، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة.
وفي ما يتعلق بمستوى الدخل بعد التقاعد، تتعهد الحكومة بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً في مختلف الأنظمة.
كما يتضمن البرنامج تمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدل الاقتصار على 50 في المائة حالياً، مع حفظ حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
وتطرح هذه الالتزامات تحدياً مزدوجاً يتمثل في تحسين دخل المتقاعدين من جهة، وضمان الاستدامة المالية لأنظمة التقاعد من جهة أخرى، وهو ما تربطه الحكومة بالحوار الاجتماعي وتحديد أهداف ومراحل تنفيذية وتمويلات محددة.
الصحة العمومية.. الانتقال من التغطية إلى جودة العلاج
تتعهد الحكومة بمواصلة إصلاح المنظومة الصحية، مع التركيز على تجاوز الفوارق المجالية في العرض الصحي، وتحسين استقبال المرضى وتدبير مصالح المستعجلات، وتعميم خدمة المساعدة الطبية الاستعجالية.
ويشمل البرنامج إرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة، واستكمال الإصلاح المؤسساتي، والعناية بالوظيفة الصحية العمومية، وتعزيز الموارد البشرية.
ويعكس هذا التوجه انتقالاً معلناً من التركيز على توسيع التغطية الصحية إلى ضمان استفادة فعلية وعادلة ومستدامة من خدمات ذات جودة.
وتقر الوثيقة، ضمنياً، بأن توسيع التغطية الاجتماعية لا يكفي وحده لتحقيق الحماية الصحية ما لم يصاحبه تحسين العرض الصحي وتقريب الخدمات من المواطنين، خصوصاً في المناطق التي تعاني خصاصاً ترابياً.
التعليم.. 80 في المائة من التلاميذ يتحكمون في التعلمات الأساسية
تحدد الحكومة هدفاً يتمثل في رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق سنة 2031.
ولبلوغ هذا الهدف، يتضمن البرنامج مواصلة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات والكفايات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية للتلاميذ، مع توظيف الوسائل الرقمية لتتبع تطور مكتسباتهم.
وفي موازاة ذلك، تلتزم الحكومة بتحقيق هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030، من خلال رصد التلاميذ المهددين بالانقطاع في وقت مبكر، وتتبع مساراتهم بصورة فردية، وتوجيه المنقطعين إلى حلول بديلة، تشمل إعادة الإدماج في التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني أو التكوين بالتدرج.
ويضع هذان الهدفان المدرسة العمومية أمام تحديين متكاملين: تحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي الذي يضعف فرص الاندماج المهني والاجتماعي.
الشباب والشغل.. 100 ألف فرصة للتكوين و100 ألف تجربة مهنية سنوياً
تكشف المعطيات الواردة في البرنامج عن حجم التحدي الذي تواجهه السياسات العمومية في مجال إدماج الشباب؛ إذ تشير الوثيقة إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، وإلى بلوغ معدل البطالة 29.2 في المائة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة.
كما يغادر نحو 300 ألف تلميذ الدراسة سنوياً دون تأهيل، وفق الأرقام التي أوردتها الوثيقة.
ولمواجهة هذه الأوضاع، تعتزم الحكومة إطلاق برنامج وطني للمواكبة الاجتماعية الترابية ابتداء من سنة 2027، يتيح تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنوياً من اكتساب أول تجربة مهنية.
وتتضمن التوجهات الحكومية أيضاً إعداد استراتيجية وطنية مندمجة للشباب، وتحسين حكامة السياسات الموجهة إليهم، وتوسيع فرص مشاركتهم في الحياة الاقتصادية والمؤسساتية.
كما تراهن الحكومة على إدماج الشباب في صفقات المشاريع الكبرى وأوراش كأس العالم 2030، وتكوينهم في مهن الرقمنة، وتشجيع عودة الكفاءات وتقليص هجرة حاملي الشهادات العليا.
وتكشف هذه الالتزامات أن التحدي لا يرتبط فقط بإحداث فرص الشغل، بل أيضاً بربط التكوين بحاجيات سوق العمل، وتوفير الخبرة المهنية الأولى، والحد من انتقال الشباب من المدرسة إلى البطالة أو الهشاشة الاقتصادية.
السكن القروي.. 100 ألف مسكن ودعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم
في مجال السكن، تتجه الحكومة إلى اعتماد سياسة متكاملة للسكن والتعمير وإعداد التراب وسياسة المدينة خلال الولاية المقبلة، تقوم على توفير سكن ملائم، وخفض كلفته على الأسر، وتحسين جودة الأحياء، وتقريب السكن من فرص الشغل والنقل والخدمات.
وتشمل الأولويات استكمال القضاء على السكن غير اللائق، ووضع برنامج متكامل للسكن القروي، وتشجيع البناء الذاتي الآمن.
وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة إطلاق برنامج يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، خصوصاً في المراكز القروية الصاعدة.
وينص البرنامج على تقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، إلى جانب مواكبة تقنية مجانية، مع إعداد قانون للتعمير في الوسط القروي يرمي إلى تبسيط مساطر البناء وتوفير وثائق مرنة تغطي الدواوير، وتسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير.
ويستهدف هذا التوجه تحسين ظروف السكن في العالم القروي، مع ربط السكن بالتنمية المحلية والخدمات وفرص الشغل، بدلاً من الاقتصار على إنتاج الوحدات السكنية.
الجهات وتقليص الفوارق المجالية
تضع الحكومة التنمية الترابية المندمجة ضمن ركائز برنامجها، وتتعهد بتعزيز الموارد المالية للجهات ورفع حجم التحويلات المالية لفائدتها إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027.
وتربط الوثيقة هذا التوجه بإعادة هندسة اختصاصات الجهات وفق منطق الوضوح والنجاعة، وتحديث آليات تنفيذ المشاريع، وتسريع تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وتعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف واضحة في التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق.
وتراهن الحكومة على الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة لتنسيق السياسات العمومية المجالية وتعزيز أثرها المباشر في حياة المواطنين.
ويكتسي هذا الجانب أهمية اجتماعية بالنظر إلى ارتباط الفوارق المجالية بإمكانية الولوج إلى الصحة والتعليم والسكن والنقل وفرص الشغل، وهي خدمات لا تتوزع بالتساوي بين مختلف المناطق.
النساء والأسرة والفئات الهشة
يتضمن البرنامج مواصلة النهوض بأوضاع المرأة، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص، وتمكين النساء اقتصادياً من خلال الشغل اللائق ودعم المبادرة والاستقلالية المالية، إلى جانب محاربة العنف ضد النساء وضمان الحماية والمواكبة وتوسيع المشاركة في مراكز القرار.
كما تتعهد الحكومة بنهج سياسة مندمجة للطفولة والشباب والمسنين، وضمان حماية النساء والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة، ومواصلة إصلاح مدونة الأسرة وفق التوجيهات الملكية.
وتشمل الالتزامات أيضاً توسيع الولوج إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، خصوصاً في الوسط القروي ولدى الفئات الهشة، بما يجعل الإنصاف الاجتماعي والمجالي جزءاً من مختلف السياسات المعلنة.
بين الأهداف المعلنة وتحدي التنفيذ
تقدم الوثيقة الاجتماعية للبرنامج الحكومي مجموعة من الأهداف الرقمية التي يمكن الاستناد إليها في تتبع الأداء خلال السنوات المقبلة، من بينها رفع الدعم الاجتماعي إلى 1000 درهم، والحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهرياً، وتكوين 100 ألف شاب سنوياً، ومواكبة 100 ألف آخرين لاكتساب تجربة مهنية أولى، وتأهيل أو بناء 100 ألف مسكن قروي.
غير أن هذه الأرقام تمثل تعهدات وأهدافاً مستقبلية، وليست نتائج تحققت بالفعل. كما أن بلوغها يقتضي تحديد شروط الاستفادة، والجدولة التنفيذية، والتمويلات، وآليات التتبع والتقييم.
وتضع الحكومة ضمن برنامجها هدفاً لضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2026-2031، مع خفض المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة من الناتج بحلول سنة 2031.
وبذلك، سيكون التحدي الأساسي أمام الحكومة هو التوفيق بين توسيع الإنفاق الاجتماعي وتحسين جودة الخدمات من جهة، وضمان استدامة المالية العمومية من جهة أخرى، مع تحويل التعهدات الواردة في البرنامج إلى تحسن ملموس في دخل الأسر وظروف عيشها وفرص أبنائها في التعليم والعمل والسكن والعلاج.




