دعت رئاسة النيابة العامة إلى تعزيز تفعيل مسطرة الصلح كبديل عن الدعوى العمومية في القضايا الزجرية، في إطار توجه يروم ترسيخ مبادئ العدالة التصالحية وتخفيف الضغط على المحاكم، وذلك في دورية موجهة إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية.
وتأتي هذه الدعوة في سياق دخول التعديلات الجديدة التي جاء بها القانون رقم 03.23 المغير والمتمم لقانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ منذ 8 دجنبر 2025، والتي همت بالأساس تطوير مسطرة الصلح وتعزيز دور النيابة العامة في اقتراحها وتفعيلها.
توسيع صلاحيات النيابة العامة
وأوضحت الدورية أن المشرع أدخل تعديلات مهمة على المادتين 41 و41-1 من قانون المسطرة الجنائية، حيث أصبح بإمكان وكلاء الملك اقتراح الصلح بصفة تلقائية على الأطراف والسعي إلى تحقيقه بينهم، أو منحهم مهلة لإتمامه.
كما أتاحت التعديلات الجديدة إمكانية اللجوء إلى الوساطة لإنجاح مسطرة الصلح، سواء عبر وسيط يقترحه الأطراف أو يختاره وكيل الملك، أو من خلال محامي الطرفين، إضافة إلى إمكانية الاستعانة بخدمات مكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة.
وفي الحالات التي لا يوجد فيها مشتكي أو عند تنازل المتضرر كتابة، يمكن لوكيل الملك اقتراح صلح يتمثل في أداء غرامة تصالحية لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا، أو إصلاح الضرر الناتج عن الفعل الجرمي، مع تحرير محضر بذلك والتأكد من تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
توسيع الجرائم القابلة للصلح
ومن أبرز المستجدات التي حملها القانون الجديد توسيع نطاق الجرائم التي يمكن تسويتها بالصلح، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على الجنح الضبطية، بل أصبح يشمل عددا من الجنح التأديبية التي تتجاوز عقوبتها سنتين حبسا.
وتشمل هذه الجرائم، بحسب المادة 41-1 من قانون المسطرة الجنائية، بعض القضايا الأكثر عرضا على النيابات العامة، مثل الضرب والجرح والسرقة والنصب وخيانة الأمانة، وهو ما يعكس توجها تشريعيا نحو تشجيع تسوية النزاعات بين الضحايا ومرتكبي الأفعال الجرمية دون اللجوء إلى المتابعة القضائية متى تم جبر الضرر.
الصلح في قضايا الأطفال
كما نصت الفقرة الثالثة من المادة 461 من قانون المسطرة الجنائية على إمكانية تطبيق مسطرة الصلح في حالة ارتكاب جنحة من طرف طفل في نزاع مع القانون، وذلك وفق الشروط المحددة في المادتين 41 و41-1.
وتؤكد رئاسة النيابة العامة في هذا الصدد ضرورة استحضار المصلحة الفضلى للطفل والعمل على تحقيق الصلح بينه أو بين وليه القانوني والمتضرر، بما يسمح بتفادي متابعته قضائيا والحفاظ على اندماجه داخل محيطه الطبيعي.
ارتفاع ملحوظ في عدد المستفيدين
وكشفت الدورية عن تسجيل تحسن ملحوظ في مؤشرات تفعيل مسطرة الصلح خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد المستفيدين منها من 8219 شخصا سنة 2023 إلى 15862 شخصا سنة 2024.
أما سنة 2025 فقد سجلت ارتفاعا أكبر، إذ بلغ عدد المستفيدين 21963 شخصا، أي بزيادة تقارب 38 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
وترى رئاسة النيابة العامة أن هذه الأرقام تعكس إدراك عدد من مسؤولي وقضاة النيابة العامة لأهمية هذه الآلية في تدبير القضايا الزجرية وترشيد اللجوء إلى الدعوى العمومية.
دعوة إلى تعميم التجربة
ورغم هذه النتائج الإيجابية، أشارت الدورية إلى أن بعض النيابات العامة ما تزال تسجل أرقاما محدودة في تطبيق مسطرة الصلح مقارنة بعدد القضايا المعروضة عليها، وهو ما يستدعي بذل مزيد من الجهود لتفعيلها بشكل أوسع.
وأكدت رئاسة النيابة العامة أن التعديلات التشريعية الجديدة سهلت تطبيق الصلح من خلال تبسيط شروطه وتقليص الإكراهات الإجرائية، خصوصا بعد إلغاء مسطرة المصادقة على الصلح، حيث أصبح نافذا بمجرد تحرير محضر بذلك من طرف وكيل الملك أو أحد نوابه وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
توجيهات لتفعيل المسطرة
ودعت رئاسة النيابة العامة قضاة النيابة العامة إلى اعتماد مجموعة من الإجراءات لتعزيز تطبيق مسطرة الصلح، من بينها:
- اعتبار الصلح أولوية في تنفيذ السياسة الجنائية كلما توفرت شروطه القانونية.
- تفعيل الوساطة بين الأطراف ومنح الوسطاء الوقت الكافي لإنجاح محاولات الصلح.
- احترام الضوابط القانونية المتعلقة بتحديد الغرامة التصالحية أو إصلاح الضرر.
- تتبع تنفيذ الالتزامات الناتجة عن الصلح واتخاذ الإجراءات القانونية عند الإخلال بها.
- موافاة رئاسة النيابة العامة بالمعطيات الإحصائية المتعلقة بتفعيل هذه المسطرة.
تعزيز العدالة التصالحية
وتؤكد رئاسة النيابة العامة أن تعزيز اللجوء إلى مسطرة الصلح يشكل ركيزة أساسية في تنفيذ السياسة الجنائية، لما يتيحه من حماية لحقوق الضحايا وتسوية للنزاعات بشكل سريع، إضافة إلى مساهمته في تقليص عدد القضايا الزجرية المعروضة على المحاكم وتحقيق مزيد من النجاعة القضائية.





