سجلت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ارتفاعا لافتا في عدد الشكايات والتبليغات التي توصلت بها خلال سنة 2025، إذ انتقل مجموع الملفات من 92 ملفا سنة 2024 إلى 420 ملفا، أي ما يزيد على أربعة أضعاف، وفق المعطيات الواردة في تقريرها السنوي برسم السنة نفسها.
وتكشف الأرقام أن هذه الزيادة شملت مختلف أشكال التفاعل مع الهيئة؛ فقد ارتفع عدد الشكايات من 37 سنة 2024 إلى 237 شكاية سنة 2025، فيما انتقل عدد التبليغات من 55 إلى 183 تبليغا. وكانت الهيئة قد توصلت بـ85 ملفا خلال سنة 2023، ما يعني أن الحصيلة المسجلة في 2025 تقارب خمسة أضعاف ما تم تسجيله قبل سنتين.
ولا يعزو التقرير هذا الارتفاع بالضرورة إلى زيادة حالات الفساد أو اتساع نطاق الاختلالات داخل المرافق العمومية، معتبرا أن المعطيات تعكس، بشكل مؤكد، تنامي استعداد المواطنين للتفاعل مع الهيئة واللجوء إليها من أجل التبليغ أو التظلم.
الإدارة الترابية والعدالة في صدارة الملفات
وعلى مستوى التوزيع القطاعي، تصدرت الإدارة الترابية والجماعات الترابية قائمة المجالات التي وردت بشأنها ملفات لدى الهيئة، بـ147 ملفا خلال سنة 2025، تليها قطاع العدالة بـ101 ملف. ويمثل القطاعان معا ما يقارب 60 في المائة من مجموع الملفات المسجلة.
ويشير التقرير إلى أن استمرار تصدر هذين القطاعين للائحة للسنة الثالثة على التوالي يعكس حساسية مجتمعية مرتفعة تجاههما، بالنظر إلى طبيعة الخدمات والقرارات التي يتعامل معها المواطن بصورة مباشرة، وما يرتبط بها من حقوق ومصالح فردية.
كما برزت قطاعات أخرى ضمن خريطة الشكايات، من بينها الجمارك والمحافظة العقارية والقطاع البنكي وبعض القطاعات الاقتصادية، وهو ما يعكس اتساع اهتمام المواطنين بالمجالات المرتبطة بالاستثمار والمعاملات الاقتصادية.
أكثر من نصف الملفات خارج اختصاص الهيئة
وفي ما يتعلق بمآل الملفات، يبرز التقرير أن الهيئة درست 420 ملفا خلال سنة 2025، وانتهت إلى التصريح بعدم الاختصاص في 212 ملفا، أي أكثر من نصف الملفات المعالجة، فيما صدر قرار بعدم القبول في 82 ملفا، وحُفظ 54 ملفا بسبب غياب المعطيات أو القرائن الكافية لمباشرة إجراءات لاحقة.
في المقابل، انتقل 59 ملفا إلى مرحلة تعميق الدراسة أو البحث والتحري. ويرى التقرير أن هذه المعطيات تكشف عن فجوة بين تصور بعض المواطنين لاختصاصات الهيئة وحدود اختصاصاتها القانونية، إذ لا تزال فئة منهم تتعامل معها باعتبارها جهة عامة لمعالجة مختلف التظلمات والإشكالات الإدارية والقضائية، بينما ينحصر اختصاصها في القضايا المرتبطة بأفعال الفساد وفق ما يحدده القانون.
وتعكس هذه الحصيلة، بحسب التقرير، أهمية تطوير قنوات التبليغ وتبسيط إجراءاتها، إلى جانب تعزيز الوعي القانوني بطبيعة اختصاصات الهيئة وشروط معالجة الملفات، بما يساعد على تحسين جودة الشكايات والتبليغات ورفع فعالية مسارات الكشف عن الفساد.
وتظل الأرقام المسجلة مؤشرا على تطور تفاعل المواطنين مع الهيئة وإدراكهم لمخاطر الفساد، لكنها لا تشكل، في حد ذاتها، قياسا مباشرا لحجم الفساد الفعلي أو دليلا على ثبوت المخالفات في جميع الملفات المتوصل بها.




