أكدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن المغرب دخل مرحلة جديدة في مسار مكافحة الفساد، لم يعد التحدي فيها مرتبطا أساسا بإحداث المؤسسات وسن التشريعات وإطلاق الاستراتيجيات، وإنما بمدى قدرة هذه الإصلاحات على إحداث أثر فعلي في الواقع، وتحسين ثقة المواطنين والمستثمرين في المؤسسات، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
وأبرزت الهيئة، في خمس رسائل مفتاحية استهلت بها تقريرها السنوي برسم سنة 2025، أن المؤشرات الدولية تسجل تقدما نسبيا للمغرب في عدد من المجالات المرتبطة بالنزاهة والحكامة، غير أن هذا التحسن لا يلغي استمرار اختلالات تتعلق بفعالية التنفيذ، وجودة المساءلة، ومدى انعكاس الإصلاحات على الممارسة اليومية داخل المؤسسات.
وفي هذا السياق، سجل التقرير، المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 30 أكتوبر 2026، وجود فجوة بين الإصلاحات المعلنة أو المعتمدة وبين نتائجها العملية، معتبرا أن المرحلة المقبلة تقتضي تسريع تنفيذ الإصلاحات القائمة، وضمان استدامتها، وربطها بأهداف قابلة للقياس والتقييم والمساءلة، بدل الاكتفاء بإنتاج مبادرات وبرامج جديدة.
من رد الفعل إلى الوقاية والاستباق
ومن بين الرسائل الأساسية التي توقف عندها التقرير، ضرورة تطوير مقاربة مكافحة الفساد، عبر الانتقال من التدخل بعد وقوع الأفعال المخالفة إلى اعتماد آليات الوقاية واليقظة المبكرة وإدارة المخاطر.
واعتبرت الهيئة أن الفساد لم يعد ظاهرة يمكن اختزالها في ملفات قضائية أو وقائع يتم اكتشافها بعد حدوثها، بل أصبح يتطلب قدرات أكبر على التوقع والاستباق، والاستثمار في الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وأنظمة الإنذار المبكر، بما يسمح بتحويل المعطيات المتاحة إلى قرارات وإجراءات وقائية فعالة.
الهيئة مطالبة بقيادة منظومة النزاهة
وفي رسالة مؤسساتية أخرى، اعتبر التقرير أن الهيئة الوطنية للنزاهة دخلت مرحلة جديدة من النضج المؤسساتي، قوامها الانتقال من استكمال بناء المؤسسة إلى تعزيز دورها في قيادة منظومة النزاهة الوطنية، من خلال إنتاج المعرفة والتقييم والاستشراف والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
غير أن التقرير شدد على أن فعالية الهيئة لا ترتبط فقط بالصلاحيات والموارد المتاحة لها، وإنما أيضا بمدى انخراط القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في تحويل توصياتها ومخرجاتها إلى إجراءات وسياسات عملية.
مخاطر جديدة تفرض تطوير أدوات المواجهة
كما نبهت الهيئة إلى أن طبيعة الفساد ومخاطره تعرف تحولات متسارعة، بفعل التوسع في الفضاءات الرقمية، وتعاظم دور البيانات، وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تزايد تعقيد المعاملات الاقتصادية والمالية.
وأوضح التقرير أن هذه التحولات تتيح فرصا لتعزيز الشفافية والنزاهة، لكنها تخلق في المقابل أنماطا جديدة من المخاطر يصعب التعامل معها بالوسائل التقليدية وحدها، ما يجعل الاستثمار في المعرفة والتحليل والقدرات الرقمية واليقظة الاستراتيجية شرطا أساسيا لفعالية منظومة مكافحة الفساد.
وتخلص الرسائل الخمس إلى أن الرهان الأساسي للمغرب في المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من منطق الالتزام إلى منطق التنفيذ، ومن البرامج إلى النتائج، ومن تعدد التدخلات إلى العمل المؤسساتي المنسق، بما يجعل النزاهة ممارسة يومية ملموسة داخل الإدارة والاقتصاد والمجتمع، وليس مجرد إطار قانوني أو شعار مؤسساتي.





