دعا الدكتور سليمان العمراني إلى مراجعة منظومة تدبير الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب، من خلال توسيع الاعتماد على الوسائل الرقمية، بما يشمل إيداع الترشيحات، والتصويت، وفرز الأصوات وإحصائها، وإعلان النتائج، فضلاً عن رقمنة مساطر الطعون الانتخابية، معتبراً أن المرحلة المقبلة تتيح فرصة لإطلاق تحول تدريجي في تدبير العمليات الانتخابية، انطلاقاً من خلاصات انتخابات 23 شتنبر 2026.

وأوضح العمراني، في مقال تحليلي بعنوان «أي أفق لتعزيز رقمنة الاستحقاقات الانتخابية العامة بالمغرب؟»، أن الإصلاحات التي رافقت الانتخابات التشريعية الأخيرة تضمنت خطوات مهمة في مجال الرقمنة، لكنها ظلت جزئية، ولم تشمل مختلف مراحل العملية الانتخابية، وهو ما يستدعي الانتقال من اعتماد أدوات رقمية متفرقة إلى بناء منظومة معلوماتية متكاملة.
ويأتي هذا النقاش في سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية والمهنية المرتقبة سنة 2027، بعدما أعلنت وزارة الداخلية توجهها نحو اعتماد التدابير التشريعية نفسها التي أُطرت بها انتخابات مجلس النواب، مع فتح باب المشاورات أمام الأحزاب السياسية لتقديم مقترحاتها.
الترشيح الإلكتروني.. من النظام المزدوج إلى المسطرة الرقمية الكاملة
ومن أبرز المقترحات التي توقف عندها المقال، الانتقال إلى اعتماد الإيداع الإلكتروني الكامل لملفات الترشيح، بدل النظام المزدوج المعمول به حالياً، الذي يجمع بين التصريح الإلكتروني وإيداع النسخ الورقية لدى السلطات الإدارية.
وكان القانون التنظيمي رقم 53.25 قد أقر إمكانية إيداع التصريحات بالترشيح عبر منصة إلكترونية، مع استمرار إلزام المترشحين أو وكلائهم بإيداع أصل التصريح والوثائق المطلوبة لدى المصالح الإدارية المختصة.
ويرى العمراني أن هذه الخطوة تمثل تقدماً في تحديث المساطر الانتخابية، لكنها لا تحقق الاستفادة الكاملة من الإمكانات الرقمية، داعياً إلى جعل المنصة الإلكترونية القناة الوحيدة لإيداع ملفات الترشيح، بما يخفف الضغط على الإدارة، ويضمن المساواة في معالجة الملفات، ويسمح بالتحقق الفوري من استيفاء الشروط القانونية.
ويقترح، في هذا الإطار، الاستفادة من تجربة رقمنة الصفقات العمومية، التي انتقلت إلى اعتماد مساطر إلكترونية دون الحاجة إلى تداول الوثائق الورقية في مراحل إبرامها.
كما يدعو إلى تطوير المنصات الانتخابية لتوفير فضاءات خاصة بالمترشحين، تتيح لهم الاطلاع على المعلومات والإجراءات المرتبطة بالترشيح، إلى جانب تعزيز الشفافية في تدبير الملفات وحماية المعطيات الشخصية.
الحملة الانتخابية الرقمية تحتاج إلى تأطير قانوني أوضح
وتناول المقال أيضاً التحولات التي عرفتها الحملات الانتخابية بفعل توسع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، مشيراً إلى أن التشريع الانتخابي الجديد اعترف بهذا التحول، من خلال تنظيم بعض الممارسات الرقمية وتجريم نشر محتويات كاذبة أو مضللة باستخدام الشبكات الاجتماعية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
غير أنه سجل وجود حاجة إلى تطوير القواعد المنظمة لتمويل الحملات الرقمية، ولاسيما ما يتعلق بالإعلانات السياسية والمنشورات الانتخابية المؤدى عنها عبر المنصات الإلكترونية، معتبراً أن توسيع نطاق الوصول إلى الناخبين عبر الوسائط الرقمية يقتضي تأطيراً واضحاً للنفقات المرتبطة بها، وإدراجها ضمن مصاريف الحملات الخاضعة للسقف القانوني.
كما دعا إلى تعزيز آليات مراقبة المحتوى الانتخابي الرقمي، بما يضمن الاستفادة من إمكاناته التواصلية دون السماح باستغلاله في التضليل أو الإساءة إلى المترشحين والناخبين.
التصويت الإلكتروني.. انتقال تدريجي بشروط وضمانات
وفي ما يتعلق بالتصويت الإلكتروني، اعتبر المقال أن اعتماد هذه الآلية يمثل أحد المداخل الممكنة لتحديث العملية الانتخابية وتوسيع المشاركة، خاصة بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، الذين يواجه بعضهم صعوبات لوجستية في ممارسة حقهم الانتخابي.
واستعرض العمراني تجربة إستونيا، التي بدأت مسار تطوير التصويت عبر الإنترنت منذ سنة 2001، قبل إقرار الأساس التشريعي سنة 2002، وإطلاق النظام تجريبياً سنة 2005، ثم توسيع استخدامه تدريجياً في الانتخابات المحلية والتشريعية والأوروبية.
كما أشار إلى التجربة الروسية في انتخابات شتنبر 2026، التي جمعت بين التصويت الإلكتروني عن بعد والتصويت الإلكتروني داخل مراكز الاقتراع، مع تسجيل تحديات تقنية وأمنية خلال العملية.
ورغم أهمية هذه التجارب، شدد المقال على أن المغرب غير مستعد بعد لاعتماد التصويت الإلكتروني بصورة مباشرة وشاملة، داعياً إلى وضع مخطط وطني واضح يحدد الإجراءات والمسؤوليات والآجال الزمنية، ويأخذ بعين الاعتبار الجوانب التقنية والأمنية والقانونية، وفي مقدمتها بناء الثقة في النظام الانتخابي وضمان سرية التصويت وسلامة النتائج.
ويقترح أن يشكل ما بعد استحقاقات سنة 2027 فرصة لإطلاق هذا المسار، عبر إعداد انتقال تدريجي ومدروس من التصويت الورقي إلى التصويت الإلكتروني.
رقمنة مكاتب التصويت والفرز وإعلان النتائج
ومن بين أبرز محاور الإصلاح التي يقترحها المقال، إحداث نظام معلوماتي متكامل لتدبير مكاتب التصويت، يشمل مختلف العمليات التي تجري يوم الاقتراع، من التصويت إلى الفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج.
ويستند هذا المقترح إلى الصعوبات المرتبطة بمراقبة العدد الكبير من مكاتب التصويت، إذ بلغ عدد المكاتب الفرعية خلال انتخابات 23 شتنبر 2026 نحو 40 ألفاً و694 مكتباً، إضافة إلى 3931 مكتباً مركزياً، وهو ما يجعل تغطية جميع المكاتب بممثلي الأحزاب السياسية ومراقبيها أمراً بالغ الصعوبة.
ويقترح العمراني تمكين الأحزاب السياسية من متابعة مختلف العمليات الانتخابية داخل المكاتب بصورة رقمية وفورية، وفق ضوابط قانونية محددة، مع إيداع محاضر الفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج داخل المنظومة المعلوماتية، ومنح هذه المحاضر حجيتها القانونية.
كما يدعو إلى اعتماد التسجيل السمعي البصري لعمليات الفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج، وإتاحة التسجيلات للأحزاب السياسية فور انتهاء العمليات، بما يعزز الشفافية ويتيح التحقق من مجريات العملية الانتخابية، دون المساس بسرية التصويت.
واستحضر المقال في هذا السياق التجربة الهندية في تسجيل عمليات الفرز وإعلان النتائج بالفيديو، والتجربة الكينية في إتاحة النتائج للجمهور عبر البث المباشر من مراكز الاقتراع.
رقمنة التصويت بالوكالة والطعون الانتخابية
وتوقف المقال عند التطور الذي عرفه التصويت بالوكالة بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، بعد انتقال الإجراء من إنجاز الوكالة حضورياً لدى السفارات والقنصليات إلى إحداث منصة إلكترونية لإعدادها وإرسالها.
غير أن العمراني يرى أن هذه العملية لم تكتمل رقمنتها، ما دام تسليم الوكالة إلى رئيس مكتب التصويت لا يزال يتم عبر نسخة مادية، داعياً إلى اعتماد وسائل رقمية مؤمنة لإحالة الوثائق والتحقق منها، سواء عبر البريد الإلكتروني الرسمي أو من خلال النظام المعلوماتي المخصص لتدبير الانتخابات.
كما دعا إلى توسيع مسار الرقمنة ليشمل إجراءات الطعون الانتخابية أمام المحاكم المختصة، بالتوازي مع المسطرة المادية المعمول بها حالياً، في أفق الانتقال التدريجي إلى تدبير رقمي أكثر تكاملاً.
تعبئة مؤسساتية لتحديث المنظومة الانتخابية
وخلص المقال إلى أن تعزيز رقمنة الاستحقاقات الانتخابية لا يتوقف على تطوير المنصات والتجهيزات التقنية، بل يتطلب تعبئة مؤسساتية وطنية تشمل الإدارة العمومية والأحزاب السياسية والنقابات والغرف المهنية والجمعيات، إلى جانب تأهيل البنية التحتية الرقمية وتعزيز الإطار القانوني والتنظيمي.
كما دعا إلى إجراء تقييم شامل لتجربة انتخابات 23 شتنبر 2026، بمساهمة مختلف الفاعلين المعنيين، والاستناد إلى خلاصات هذا التقييم في إعداد تصور إصلاحي للاستحقاقات المقبلة.
واعتبر العمراني أن المشاورات المرتبطة بانتخابات 2027 تشكل فرصة لإعادة فتح النقاش حول تحديث المنظومة الانتخابية، بما يسمح بالانتقال من رقمنة بعض الإجراءات المتفرقة إلى بناء مسار انتخابي رقمي متكامل، يوازن بين متطلبات الشفافية والنزاهة والفعالية، وضمانات الأمن والثقة والمشروعية القانونية.




