ربيعة طنينسي
في سياق سياسي محتدم، ومع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تعود بعض الأصوات لترويج أطروحات مستهلكة تختزل تعثر المسار الديمقراطي في ما تسميه “بالإسلام السياسي”، وتقدّمه كعائق أمام تحرر المرأة. والحقيقة أن هذا الطرح لا يمكن فصله عن حسابات انتخابوية ضيقة، تستهدف بشكل مباشر حزب العدالة والتنمية في محاولة مكشوفة للنيل من رصيده السياسي ومكانته داخل المجتمع.
إن هذه المواقف التي تحاول ربط تعثر المسار الديمقراطي بما يسمى ب“الإسلام السياسي”، وتعتبره عائقاً أمام تحرر المرأة، لا تندرج ضمن نقد سياسي موضوعي، بل تعبّر عن توجه إيديولوجي حاد يخدم رهانات انتخابية ضيقة. كما تكشف عن عجز بيّن في مقارعة التجارب السياسية الجادة بالحجة والبرهان، واللجوء بدل ذلك إلى التعميم والتبسيط والتضليل.
فحزب العدالة والتنمية، الذي يُستهدف بهذا الخطاب، لم يكن يوماً حزباً منغلقاً أو معيقاً للديمقراطية، بل ظل فاعلاً مركزياً في تأطير المواطنين والمواطنات، وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة، والدفاع عن قضاياهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على المستويين الوطني والدولي. ويشهد على ذلك حضوره المستمر في الميدان، في مقابل غياب شبه تام لأحزاب أخرى، خاصة تلك التي تدّعي الحداثة وتنتمي للأغلبية الحكومية، لكنها تعجز عن أداء أبسط أدوارها التأطيرية.
والأدهى من ذلك، أن هذا الخطاب يتجاهل عمداً حقيقة بارزة داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، حيث برزت نساء في مواقع القرار وفي العمل البرلماني والحزبي، وأسهمن بفعالية في النقاش العمومي وصناعة القرار. فكيف يستقيم الادعاء بأن المرجعية الإسلامية تعيق المرأة، والواقع يكذب هذا الافتراء بشكل يومي؟
إن هذا التناقض الصارخ يفضح أن الحديث عن “الإسلام كعائق” ليس تحليلاً علمياً، بل موقف إيديولوجي مقصود يتغاضى عن الوقائع، ويستهدف توجيه الرأي العام عبر مغالطات مكشوفة.
ثم إن هذا الطرح يعاني من سطحية مفرطة، إذ يتجاهل تعقيدات التاريخ والجغرافيا والسياسة، ويقفز على الاختلالات الحقيقية التي تعيق المسار الديمقراطي، سواء تعلق الأمر بضعف المؤسسات، أو بغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، أو بتفاقم الأوضاع الاجتماعية من فقر وتهميش وغلاء معيشة. وهي قضايا جوهرية لا يمكن التغطية عليها بخطاب إيديولوجي يفتعل معارك وهمية.
أما تقديم النموذج الغربي كمرجعية مثالية للديمقراطية، فهو طرح انتقائي ومضلل، في ظل ما يشهده العالم من تناقضات صارخة في مجال الحقوق والحريات، بما ينفي ادعاء احتكار نموذج بعينه للحقيقة الديمقراطية.
ومن المعلوم، أن الإسلام، في نصوصه ومقاصده، أقر للمرأة مكانة كاملة كفاعل اجتماعي وسياسي، ولم يجعلها يوماً كائناً تابعاً أو هامشياً. بل إن التجربة الإسلامية منذ بداياتها تؤكد حضور المرأة في البيعة، وفي إبداء الرأي، وفي مساءلة السلطة. وعليه، فإن تصوير الإسلام كعائق أمام تحرر المرأة ليس سوى قلبٍ للحقائق وتوظيفٍ لها لخدمة أجندات سياسية تستهدف حزب العدالة والتنمية في هذه المرحلة الحساسة.
إن ربط تعثر الديمقراطية بالإسلام ليس فقط خطأ تحليلياً فادحاً، بل مغالطة خطيرة، لأن الإسلام أسس لمبادئ الشورى والمشاركة والتداول وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبالتالي، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المرجعية، بل في من يفرغها من محتواها أو يرفض الاعتراف بإمكانية بناء نموذج ديمقراطي من داخلها.
والأخطر في هذا الخطاب أنه يحوّل النقاش من مساءلة حقيقية لبنيات السلطة والفساد إلى معركة إيديولوجية ضد الهوية وضد حزب العدالة والتنمية، وهو ما لا يخدم الديمقراطية، بل يساهم في إضعافها وتعميق أزمتها.
إن الديمقراطية لا تُبنى بالإقصاء، ولا بمحاربة المرجعيات المجتمعية، بل بتدبير الاختلاف في إطار التعددية، وتعزيز المشاركة، ومحاربة الفساد، وصون كرامة المواطنين نساءً ورجالاً.
وعليه، فإن تحميل الإسلام مسؤولية تعثر الديمقراطية أو وضعية المرأة ليس سوى هروب إلى الأمام، ومحاولة لتغطية الفشل السياسي بخطاب إيديولوجي متهافت. أما حزب العدالة والتنمية، فسيظل—رغم كل حملات الاستهداف—متمسكاً بخطه الإصلاحي، ومدافعاً عن خيار ديمقراطي حقيقي، نابع من هوية المجتمع، ومنفتح على قيم الحرية والعدالة والكرامة.




